حنان علي: لم يمض وقت طويل حتى اعتُبر أنطون تشيخوف قامة أدبية شامخة، ليصفه جورج سوندرز بـ "أعظم كاتب قصة قصيرة في التاريخ". وبينما تستلهم المسارح العالمية روائعه المسرحية، يظهر جانب آخر غير معروف من عبقرية الأديب الروسي، يكشف عن روحه الساخرة من خلال أضخم ترجمة إنجليزية لقصصه الأولى، والتي تزيح الستار عن مخزون من الدعابة الساذجة والتجارب اللفظية.
في كتاب "أنطون تشيخوف: القصص الأولى"، يكتشف القارئ الإنجليزي لأول مرة مجموعة من النصوص التي كُتبت بين عامي 1880 و 1882، تتنوع بين القصص القصيرة و"التهكمات"، والتي تكشف عن شاب يافع مليء بالمرح والتجريب.
ترجمات لقصصٍ جديدة تكشف الجانب المرح لأنطون تشيخوف.. "أراد كسب ‘كوبيكات’ لإعالة أسرته"
يعود سبب تأخر ترجمة هذه القصص إلى اللغة الإنجليزية إلى الاعتبارات التجارية للناشرين، الذين رأوا أنها لا تليق بمكانة صاحب "بستان الكرز" بسبب بساطتها الهزلية. ومع ذلك، تكشف المحررة روزاموند بارتليت أن فريق العمل كان ينخرط في "نوبات ضحك متواصلة" أثناء ترجمتها.
إنقاذٌ من طي النسيان
أشرفت بارتليت، المؤرخة المعروفة لسيرتي تشيخوف وتولستوي، على هذا المشروع بالتعاون مع المخرجة الروسية إيلينا ميخائيلوفسكا، تحت رعاية "مؤسسة أنطون تشيخوف" الخيرية. وبعد أن أعاق ضم القرم عام 2014 جهود الحفاظ على منزل تشيخوف في يالطا، تحول اهتمام القائمين على المؤسسة إلى فكرة "المثالية المجنونة" بتجنيد 80 مترجماً متطوعاً من جميع أنحاء العالم لإنقاذ هذه النصوص من الضياع.
تتضمن النصوص، التي كتبها تشيخوف الشاب بين العشرين والثانية والعشرين من عمره، ألاعيب لفظية تجريبية وأسماء عبثية تبلغ ذروتها في شخصية "الملازم ثاني زيمبومبونتشيكوف"، وهو اسم لا يحمل معنى ولكن نطقه مبهج، ومحطات قطارات تحمل أسماء مثل "انطلق هارباً" و"مدينة المحتالين".
توضح بارتليت أن هذه القصص الـ 58، التي وقعها تشيخوف بأسماء مستعارة متعددة، ظلت مخفية حتى عن الباحثين. ففي روسيا، تفوق شهرة تشيخوف ككاتب قصص قصيرة شهرته ككاتب مسرحي، وتذكرنا هذه النصوص بأن جذوره الإبداعية نبتت في تربة فكاهية. وتضيف: "ليست كلها مضحكة بالضرورة، لكن الكثير منها يتميز بالطابع الترفيهي المحض، كما هو متوقع من طالب طب في العشرين من عمره، لم يكن يسعى إلا لكسب بعض 'الكوبيكات' من خلال الكتابة في المجلات الهزلية."
في مطلع شبابه، شكك تشيخوف نفسه في بقاء أي من قصصه "في ذاكرة الناس لعقد من الزمن".
الكتابة لكسب لقمة العيش
لم يفارق الفقر تشيخوف حتى بعد انتقاله مع عائلته إلى موسكو، حيث انكب على دراسة الطب. ليجد نفسه مضطراً لخوض غمار الكتابة القصصية لتوفير لقمة العيش لأسرته، مدفوعاً بإحساسه بالمسؤولية تجاه انتشال عائلته من براثن الفقر. كانت الكتابة مجرد وسيلة لكسب الرزق، إلا أنه حتى بعد تخرجه، استمر في الجمع بين مهنتي الطب والكتابة. وفيما بعد، اشتهر تشيخوف بتشبيهه الطب بـ "الزوجة الشرعية" والكتابة بـ "العشيقة" التي يلوذ بها كلما ضاق صدره.
تواضع الكاتب
لم يكن تشيخوف راضياً عن إنتاجه الأدبي قط، سواء في القصة أو المسرح. فحتى أشهر أعماله مثل "السيدة مع الكلب" و"الحبيبة" و"العنبر 6" كان يحيطها بالتواضع والتشكيك. وبعد الفشل الذريع لمسرحية "النورس" عام 1896، همّ بالتخلي عن الكتابة المسرحية إلى الأبد، قبل أن يحولها ستانيسلافسكي إلى تحفة خالدة بعد عامين. وفي رسالة إلى ناشره عام 1888، أعرب عن شكه في بقاء أي من قصصه في ذاكرة الأدب. لكن هذا الشك لم يثنِه عن الإبداع: ففي عام تخرجه وحده (1884)، نشر أكثر من 100 قصة، ليصل رصيده الإجمالي عند وفاته عام 1904 إلى أكثر من 500 قصة.
*صدر كتاب "أنطون تشيخوف: القصص الأولى: قصص، روايات قصيرة، مساخر 1880-1882" عن دار "تشيري أوركارد"، بتحرير روزاموند بارتليت وإيلينا ميخائيلوفسكا.
المقال بقلم: فيف غروسكوب
الغارديان اخبار سورية الوطن 2_الحرية