السبت, 29 نوفمبر 2025 02:19 PM

تصعيد خطير في بيت جن: مواجهات مباشرة بين مقاومة سورية وقوات الاحتلال الإسرائيلي

تصعيد خطير في بيت جن: مواجهات مباشرة بين مقاومة سورية وقوات الاحتلال الإسرائيلي

في تصعيد غير مسبوق، شهدت بلدة بيت جن، الواقعة جنوب غربي سوريا، مواجهات مباشرة بين خلايا مقاومة محلية وقوات الاحتلال الإسرائيلي، وذلك مع ساعات الفجر الأولى من يوم أمس. جاء هذا التصعيد على خلفية توغل دورية عسكرية إسرائيلية بهدف اعتقال مواطنين سوريين، وهو ما أسفر، وفقاً لوسائل إعلام عبرية، عن اعتقال ثلاثة أفراد.

أثناء انسحابها، اشتبكت القوة الإسرائيلية بشكل مباشر مع أفراد الخلية، مما أدى إلى إصابة عدد من عناصر جيش الاحتلال. وبحسب معلومات حصلت عليها «الأخبار»، كاد الاشتباك أن يسفر عن أسر جنود إسرائيليين بعد محاصرتهم وتعطيل آليتهم العسكرية، قبل أن تصعد القوات الإسرائيلية اعتداءاتها بالقصف المدفعي والطيران الحربي، والذي استهدف 20 منزلاً مدنياً.

عقب إفلات الدورية من قبضة المقاومين، تمركزت قوات الاحتلال في محيط البلدة على تل باط الورد، وسط تحليق مكثف للطيران المروحي والاستطلاعي، الأمر الذي أدى إلى تعليق حركة المواطنين على الطريق الذي يربط مزرعة بيت جن بالمنطقة المستهدفة. لم تتوقف الاعتداءات الإسرائيلية عند هذا الحد، بل شملت استهداف طيران الاحتلال الاستطلاعي لدراجة نارية كانت تقل شابين متوجهين لإسعاف أقاربهما في البلدة، وفرض حالة حظر أعاقت دخول الإسعاف والدفاع المدني مباشرة بعد وقوع الاعتداء، وفقاً لما أكدته مصادر مطلعة لـ«الأخبار».

كذلك، شهدت البلدة عمليات نزوح نحو مناطق آمنة بسبب القصف المكثف، الذي أسفر عن وفاة أربعة مصابين متأثرين بجروحهم، قبل أن يدفنوا في منطقة مزرعة بيت جن. حتى ظهر أمس، بلغ عدد الشهداء 13، وهو عدد مرجح للارتفاع بسبب وجود أشخاص تحت الأنقاض ومصابين بالعشرات. وبحسب معلومات «الأخبار»، فإن خمسة أفراد من ضحايا العدوان الإسرائيلي هم من عائلة واحدة، بالإضافة إلى وجود ضحيتين ممن لا يزال أقاربهما محتجزين، منذ حزيران الماضي، في سجون الاحتلال.

على الجانب الإسرائيلي، ذكرت وسائل إعلام عبرية، بما في ذلك «القناة 12»، أن مروحية تابعة لجيش الاحتلال هبطت في «مستشفى شيبا»، وهي تقل جنوداً مصابين سقطوا في اشتباكات بيت جن، فيما أقر الجيش بإصابة خمسة من جنوده، بينهم ثلاثة في حالة خطيرة، وسط ترجيحات بوجود عدد أعلى من الإصابات.

على الضفة نفسها، نقل موقع «واللا» العبري أن جنود الاحتلال فروا من بلدة بيت جن بعد اندلاع اشتباك مسلح، تاركين وراءهم آلية عسكرية، مما أجبر الطيران على قصفها، متحدثاً عن «انتقادات حادة في قيادة (الجبهة الشمالية الإسرائيلية)، بسبب الاستعدادات غير الكافية لدى القوة التي اقتحمت بيت جن السورية، وفوجئت بالكمين». أما «القناة 13»، فاعتبرت أن «الليلة الماضية في سوريا ذكرتنا مجدداً بما يجب ألا ننساه. حتى عندما ينشغلون ببعضهم البعض، بمجرد دخول قواتنا لإحباط الإرهاب، يتعرضون للنيران فوراً، لأننا نحن دائماً المستهدفون من قبل من يحملون السلاح هناك».

تكشف المواجهة الأخيرة أن الجنوب السوري ينطوي على مزايا تجعله قابلاً للاشتعال عند أي احتكاك.

إذ حمّل جيش الاحتلال تنظيم «الجماعة الإسلامية» مسؤولية ما جرى في بيت جن، فإن الواقعة تتجاوز، في العقل الإسرائيلي، كونها مجرد حادث أمني أو مواجهة موضعية في إطار عمليات التوغل الإسرائيلية شبه «الروتينية» في الجنوب السوري؛ إذ هي تكشف، في العمق، أن هذه المنطقة تنطوي على مزايا جغرافية واجتماعية وأمنية تجعلها قابلة للاشتعال عند أي احتكاك. بمعنى آخر، يظهر لإسرائيل أن الجنوب السوري ليس مسرح عمليات يمكن التحكم في تفاصيله دائماً، بل بيئة قابلة للتغير بسرعة، وإنتاج فواعل محلية لا يمكن إدارتها بآليات الردع التقليدي، وهو ما يعني أنها يمكن أن تدخل، في أي وقت، طوراً جديداً من المواجهة، بقرار شعبي، ومن دون الحاجة إلى أي «إسقاط» سياسي من فوق.

في حين أن هذا التوغل ليس الأول من نوعه بعد سقوط النظام، بعدما شهدت بلدة بيت جن توغلات مكثفة، أبرزها خلال شهر حزيران 2025، إلا أنه للمفارقة، وجدت قوات الاحتلال نفسها، هذه المرة، في احتكاك مباشر مع خلايا مقاومة، وسط مواطنين كانوا يراكمون، بشكل متزايد، شعوراً بالضغط والاستياء من الممارسات الإسرائيلية الإجرامية، وعلى رأسها القتل المتعمد لمدني من ذوي الاحتياجات الخاصة بدم بارد، واعتقال 7 مدنيين، 5 منهم من عائلةٍ واحدة، في 22 حزيران 2025. وطبقاً للأسماء التي اطلعت عليها «الأخبار»، فإن المواطنين المعتقلين هم علي قاسم حمادة، ومحمد بديع حمادة، وأحمد ومحمد وحسام الصفدي، وعامر البدوي، ومأمون السعدي. وتشكل هذه اللائحة أكبر حصيلة للمعتقلين في يومٍ واحد وفي منطقة جغرافية محددة، وهي ترفع عددهم في بيت جن، وحدها، إلى 10 أفراد، وعدد المعتقلين السوريين عموماً قبل سقوط النظام وبعده إلى 49.

فيما سعت إسرائيل، طوال السنوات الماضية، إلى تحويل توغلاتها إلى «حركة اعتيادية» تفرض على السكان والبيئات المحيطة، ويصبح، في إطارها، مرور الآليات والدوريات داخل تخوم بعض القرى ظاهرةً لا تستدعي ردّ فعل، إلا أن ما حصل في بيت جن قد تسبب بـ«صدمة معاكسة» لصناع السياسة الإسرائيليين؛ إذ اتضح أن البيئة التي من المفترض أن تكون مُنهكة ومنشغلة بهمومها المحلية، قد تنتج، فجأة، أفراداً قادرين، بل راغبين حتى، في مواجهة هذا النمط من التوغل، وإثبات أن مناطقهم ليست مجرد مساحات «فارغة أمنياً»، ومفتوحة أمام الانتهاكات الإسرائيلية التي تهددها.

أما الخطر الأوسع نطاقاً بالنسبة إلى إسرائيل، فيتمثل في أن «يتعمّم» رد فعل أهالي بيت جن على قرى أخرى في الجنوب السوري، وخصوصاً تلك التي تعاني جراء ضعف السلطة المركزية من جهة، وتسودها، من جهة أخرى، تقاليد اجتماعية محلية لا تزال قادرة على إنتاج مبادرة دفاعية من نوع ما، تقوّض التصوّر الإسرائيلي حول إمكانية استباحة الحدود السورية، والدخول والخروج منها، وفق إيقاع تل أبيب الخاص، ومن دون أي مقاومة حقيقية.

وفي مؤشر على التأثير الكبير الذي ولدته حادثة المقاومة الشعبية الأخيرة لإسرائيل، ارتفعت أصوات داخل «المؤسسة الأمنية الإسرائيلية»، تشدد على ضرورة عدم السماح لأي جهة، منظمة أو محلية، بالتمركز بالقرب من «حدود إسرائيل»، باعتبار ذلك «خطأ استراتيجياً قاتلاً». وذهبت بعض تلك الأصوات إلى حد اعتبار الوضع الراهن في سوريا «غير مستقر بالقدر الذي يسمح بترتيب اتفاقيات أو تفاهمات أمنية طويلة المدى»، مجادلةً بأنه لا يمكن الركون إلى أي مسار تفاوضي أو سياسي في ظل واقع يتبدل ميدانياً خلال ساعات. ويعكس المنطق المشار إليه عودة إسرائيل إلى التمسك بضرورة الحفاظ على عدد من النقاط الجغرافية، وفي مقدمتها منطقة الحرمون التي تعتبر «مرتفعاً سيادياً»، والتي ترى تل أبيب أن التخلي عنها هو بمثابة «مغامرة غير محسوبة»، لا يمكن للعقل الأمني الإسرائيلي «تقبلها».

مشاركة المقال: