دمشق-سانا: بعد مرور عام على تحرير سوريا من النظام البائد، بدأت الهيئة المركزية للرقابة والتفتيش مسيرة إصلاحية واسعة النطاق، تهدف إلى إعادة تنظيم دورها وتحديث أساليب عملها لتلبية متطلبات إعادة بناء مؤسسات الدولة. وقد ركزت الهيئة على تحديث الأطر التشريعية والتنظيمية، وتعزيز البنية المؤسسية والرقمية، وتطوير الموارد البشرية، مما ساهم في رفع مستوى الشفافية والكفاءة في الأداء الرقابي خلال هذه المرحلة الهامة من إعادة الإعمار والإدارة.
أوضح رئيس الهيئة المركزية للرقابة والتفتيش، عامر العلي، لمراسل سانا أن الهيئة لم تكن بمنأى عن التحولات الكبرى التي شهدتها سوريا بعد عام على التحرير، حيث قامت بتحديثات شاملة في هيكليتها الإدارية والوظيفية، انطلاقاً من مبادئ النزاهة والشفافية التي تعتبر أساساً لعملها الرقابي.
تدريب تخصصي في المعهد الرقابي لـ120 موظفاً
في إطار جهودها لتعزيز بنيتها المؤسسية، قامت الهيئة المركزية للرقابة والتفتيش بإنشاء المعهد التخصصي للرقابة والتفتيش في شهر آب الماضي، والذي يمثل ذراعها الأكاديمي المسؤول عن إعداد كوادر رقابية مؤهلة وفق معايير مهنية حديثة. يتلقى حالياً حوالي 120 دارساً تدريباً تخصصياً في المعهد الرقابي التابع للهيئة، مما يؤهلهم للانخراط في العمل الرقابي بكفاءة أعلى، ويجعل منهم رافداً أساسياً للهيئة بكفاءات تمتلك المعرفة والانضباط والقدرة.
التحول الرقمي وتطوير الخدمات الإلكترونية
حققت الهيئة تقدماً ملحوظاً في التحول الرقمي هذا العام، حيث أطلقت موقعها الرسمي في آب الماضي كمنصة معلوماتية معتمدة، وخصصت في أيلول منصة شكاوى إلكترونية لتلقي ومتابعة الشكاوى إلكترونياً، وأنجزت نحو 70 بالمئة من مشروع الأتمتة المتوقع استكماله قبل نهاية العام. ويهدف ذلك إلى تعزيز الشفافية، وتسهيل الخدمات، وتسريع الإجراءات الرقابية وتحسين جودة الأداء المؤسسي.
أكد رئيس الهيئة أن الهيئة تبنت أدوات رقابية متطورة، وبدأت خطوات فعلية نحو التحول الرقمي، بما في ذلك تطوير البنية التقنية وتحديث آليات العمل الداخلي، مما ساهم في رفع كفاءة الأداء وتوسيع نطاق الرقابة المجتمعية.
تقييم العاملين في الهيئة
بدأت الهيئة منذ مطلع آب الماضي بتنفيذ خطة شاملة لتقييم العاملين فيها، تستمر حتى نهاية العام الحالي، وتشمل رصد خبرات الكوادر ومهاراتهم، وقياس مؤشرات الأداء وفق معايير مهنية واضحة. يهدف ذلك إلى تكوين قاعدة بيانات دقيقة حول الإمكانات البشرية داخل الهيئة، تتيح توجيه قرارات الترقيات وبرامج التدريب استناداً إلى معايير موضوعية، مما يضمن رفع كفاءة الكادر وتحسين جودة الخدمات الرقابية المقدّمة.
تأهيل البنية التحتية وتحديث القوانين
حققت الهيئة تقدماً لافتاً في مشروع تأهيل البنية التحتية بنسبة إنجاز تقارب 60 بالمئة، شملت تأهيل المباني، تطوير الشبكات، وتحديث التجهيزات الفنية، بهدف توفير بيئة عمل جاهزة وداعمة لمسار التحول الرقمي. كما راجعت وحدثت الإطار القانوني ليتوافق مع متطلبات الحوكمة والتحول الرقمي، ورفعت النسخة النهائية إلى الأمانة العامة لرئاسة الجمهورية تمهيداً لاستكمال إجراءات اعتمادها، بما يحقق وضوحاً في الصلاحيات وتماسك المنظومة الرقابية.
أوضح العلي أنه تم إجراء مراجعة دقيقة للتشريعات النافذة التي كانت سائدة في المرحلة السابقة، بهدف تشخيص أوجه القصور وتصحيحها، واقتراح تعديلات تتماشى مع متطلبات المرحلة الجديدة، وتخدم مبادئ الحوكمة الرشيدة ومكافحة الفساد.
هيكلة ذاتية وهيكلة الرقابات الداخلية للجهات العامة
في إطار سعيها لدعم التحول الرقمي ورفع الكفاءة، أعدت الهيئة نموذجاً مرناً يواكب الواقع التشغيلي، يتضمن أدواراً رقمية وسلاسل مسؤولية واضحة، ملتزماً بمعايير الحوكمة (فصل الصلاحيات، رقابة داخلية، مؤشرات أداء). كما باشرت ببرنامج إعادة هيكلة الرقابات الداخلية في الجهات العامة، بما يضمن فاعليتها وتحقيق الأهداف الرقابية المرجوّة عبر منهجية مبنية على المخاطر وتوحيد الإجراءات ورفع كفاءة التقارير الرقابية.
إعادة هندسة الإجراءات وإنجاز خطط رقابة ميدانية
نفذت هيئة الرقابة والتفتيش مراجعة شاملة لإجراءاتها، أدت إلى تبسيط المسارات، وحذف الخطوات غير المجدية، وتوحيد النماذج، وتحديد نقاط المسؤولية وضبط مدد الإنجاز، مما عزّز مرونة العمل وسرعة الإنجاز وجودة المخرجات والانضباط المؤسسي. ويأتي ذلك إضافة إلى إنجاز خطط الرقابة الميدانية لجميع الجهات العامة بالمركز وفروع الهيئة، ومناقشة مخرجاتها مع الوزراء لتبادل النتائج وتوحيد الجهود في تطوير العمل.
أشار العلي إلى أنه تم تكثيف الجولات الرقابية الآنية على مختلف الجهات العامة، مما أسهم في كشف العديد من أوجه الخلل، ومعالجتها بشكل مباشر، وتعزيز الانضباط الإداري، وترسيخ ثقافة المساءلة داخل المؤسسات.
التعاون مع الجهات العامة والمشاركة في صياغة التشريعات
أنشأت الهيئة قنوات تنسيق وشراكات مع جميع الجهات العامة، وعقدت اجتماعات لتعريف اختصاصاتها وآليات عملها، مما يعزز وضوح الأدوار ويحسن التنسيق والإجراءات الرقابية. كما شاركت في إعداد ومراجعة تشريعات تنظيمية لعمل الجهات العامة (قانون الخدمة المدنية، والقانون المالي الأساسي، وقانون شؤون المعلمين) لضمان مواءمتها لمعايير الحوكمة، بهدف رفع كفاءة الإنفاذ وتحسين جودة الخدمة العامة.
إحداث وحدات ومكاتب جديدة وتفعيلها
أحدثت الهيئة المركزية للرقابة والتفتيش وحدات إدارية جديدة لتعزيز فاعليتها، مثل وحدة غسل الأموال لدعم التفتيش في قضايا غسل الأموال وتمويل الأنشطة غير المشروعة، مما يحسن جودة التحريات ويسرع استرداد المال العام. كما أنشأت وحدة حماية المُبلِّغين لضمان سرية البلاغات وحماية المبلّغين من أي انتقام، وتم إنشاء مديرية التخطيط والإحصاء لتوحيد القياس وتحسين الشفافية، ومكتب الخبرة لدعم البعثات التفتيشية، ومكتب الكسب غير المشروع لمتابعة تضخم الذمم المالية، ومكتب التعاون الدولي للتواصل مع المنظمات والهيئات الدولية.
لفت رئيس الهيئة إلى أنه تم استحداث تلك الوحدات والمديريات والمكاتب لتكون أدوات فاعلة في تعزيز المساءلة والشفافية، موضحاً أن هذه الإجراءات تأتي ضمن إستراتيجية متكاملة تهدف إلى بناء مؤسسات حكومية قوية، قادرة على إدارة الموارد العامة بكفاءة، وتعزيز ثقة المواطن، وترسيخ ثقافة المساءلة والشفافية.
ختم العلي بالقول: "ما تحقق خلال هذا العام هو بداية لمسار إصلاحي طويل، نلتزم فيه بالعمل الجاد، والتطوير المستمر، وتكريس قيم النزاهة، من أجل مستقبل مؤسسي أكثر عدالة واستدامة".
لم يكن ما حققته الهيئة المركزية للرقابة والتفتيش منذ بداية العام الحالي مجرد سلسلة إجراءات تنظيمية أو تحديثات تقنية، بل كان مساراً إصلاحياً متكاملاً أعاد بناء ركائز العمل الرقابي على أسس أكثر حداثة وفاعلية، وبناء منظومة وطنية متماسكة تتكامل فيها الرقابة الداخلية والخارجية، وتستند إلى تشريعات محدثة وإجراءات مبسطة وكفاءات مؤهلة.