السبت, 29 نوفمبر 2025 01:10 PM

بعد 28 عامًا: إلى أي مدى طبّق المسيحيون الإرشاد الرسولي في لبنان؟

بعد 28 عامًا: إلى أي مدى طبّق المسيحيون الإرشاد الرسولي في لبنان؟

لا شكّ في أن البابا لاوون الرابع عشر، قبل زيارته المرتقبة إلى لبنان، قد درس الإرشاد الرسولي بعمق، مستندًا إلى الوثائق والتقارير التي جمعتها دوائر الفاتيكان المعنية. يهدف ذلك إلى حثّ اللبنانيين، وخاصة المسيحيين، على العمل لتطبيق ما لم يُطبّق من هذا الإرشاد، وتفعيل ما تمّ تطبيقه بالفعل. فالوضع في لبنان لم يشهد تغييرات جوهرية منذ صدور الإرشاد قبل ثمانية وعشرين عامًا.

خلال هذه الفترة، مرّ لبنان بمحطات مفصلية، منها انسحاب الجيش الإسرائيلي عام 2000، وخروج الجيش السوري عام 2005 عقب اغتيال الرئيس رفيق الحريري وقيام "ثورة الأرز". إضافة إلى ذلك، شهد لبنان حرب تموز، والحرب الأخيرة بعد قرار "حزب الله" مساندة فلسطينيي قطاع غزة على أثر عملية "طوفان الأقصى". ولا يزال الجدل السياسي محتدمًا حول "حصرية السلاح" ووقف إسرائيل لاعتداءاتها اليومية، وسط مخاوف من عدم التوافق على إجراء الانتخابات النيابية في موعدها الدستوري.

يدرك البابا تمامًا هذه التحديات والمشاكل التي تواجه لبنان، ويعلم أن الإرشاد الرسولي الذي وُضع عام 1997 لا يزال صالحًا بروحه الشاملة لهذا العصر. فأزمات لبنان تتوالد من رحم أزمات المنطقة المتشعبة، والتي تؤثر بدورها على لبنان بشكل مباشر.

منذ صدور الإرشاد الرسولي الخاص بلبنان في التسعينيات، بدا وكأن الكنيسة تقدم للبلاد وثيقة تمزج بين البعد الروحي والرؤية الوطنية، وتجمع الكنيسة والدولة على هدف مشترك: تعزيز الإنسان، وتثبيت العيش المشترك، وترسيخ دولة قادرة على حماية الجميع. إلا أن تحقيق ذلك على أرض الواقع لا يزال يواجه صعوبات.

فالإرشاد شدد على الشراكة المسيحية – الإسلامية باعتبارها رسالة لبنان، وعلى الرغم من كل الصعاب، بقيت هذه الصيغة صامدة نسبيًا. وما زالت المؤسسات الدستورية قائمة على التوازنات، وما زال الخطاب الوطني، على الأقل ظاهريًا، يؤكد على العيش الواحد. هذا التطبيق يبقى نسبيًا، لكنه موجود.

ماذا تحقق من خطوات في هذا المجال؟ توسّع القطاع التربوي والاستشفائي والخدماتي للكنيسة، على الرغم من الضغوطات الاقتصادية، مع تسجيل بعض التراجع في مستوى هذه الخدمات وبغياب المبادرات الإنسانية. ازداد الحضور الكنسي في الدفاع عن الفئات الضعيفة، ولو بوتيرة خجولة في كثير من الأحيان. بقيت الأبرشيات والرهبانيات أحد الأعمدة المتبقية للخدمات الاجتماعية، ولكنها تبقى غير كافية مع هذا الكمّ الهائل من حاجة الناس إلى الكثير من الاهتمام والرعاية.

وعلى الرغم من التراجع الكبير، بقيت الكنيسة على خطّ ثابت في الدفاع عن المشاركة السياسية المتوازنة للمسيحيين، وهو بند أساسي في الإرشاد. فهذا الجزء من هذا البند طُبّق عبر استمرار الحضور المسيحي في المؤسسات، لكن الفاعلية بقيت ضعيفة بفعل الانقسامات الداخلية.

في المقابل، فإن ما لم يُطبّق من الإرشاد الرسولي هو أكبر بكثير مما طُبّق، على الأقل بالنسبة إلى الدولة القادرة والقانون الواحد. إذ شدد هذا الإرشاد على أن لا قيامة للبنان من دون دولة واحدة وسلطة واحدة، وسلاح واحد. فهذا الواقع هو اليوم أكثر حدة من أي وقت مضى، إذ أن الدولة تبدو أضعف، وذلك نظرًا إلى أن الازدواجية في القرار العسكري والأمني قد أصبحت أمرًا واقعًا.

أما لجهة مكافحة الفساد والزبائنية، فقد دعا الإرشاد إلى "تنقية الحياة العامة" وإعلاء قيم الشفافية. لكن ما حصل هو العكس تمامًا، حيث أن الفساد قد استشرى أكثر من ذي قبل، والقضاء لا يزال يجاهد حتى يستقل عن التأثيرات السياسية، فيما تحول النظام الإداري إلى شبكة محاصصات لا حدود لها.

وفيما دعا الإرشاد إلى ترسيخ الشباب اللبناني في أرضه ومنحه فرصًا تليق بكرامته وعيشه اللائق، نرى أن لبنان يشهد اليوم أكبر موجة هجرة منذ الحرب، وبالأخص في صفوف الشباب، الذين لا يجدون بارقة أمل في مستقبل غامض ومجهول.

أما الحديث عن المصالحة الداخلية بين المسيحيين فحدث ولا حرج، وكأن هذا الإرشاد بالنسبة إلى هذه النقطة بالذات غير موجود، وهو الذي دعاهم إلى تجاوز انقساماتهم التاريخية. لكن ما هو حاصل على أرض الواقع مغاير كليًا عن مضمون ما دعا إليه الإرشاد. فالتفكك السياسي إلى مزيد التجذر في النفوس، والتنافس الانتخابي، الذي يفترض أن يكون صحيًا وطبيعيًا، بدأ يتحول إلى حالة مرضية خطيرة، مع غياب لرؤية سياسية موحدة تجاه المستقبل، إذ أن كل طرف "يغني على ليلاه".

في ظل هذا الواقع المأزوم والمرير، نسأل ما هو المطلوب اليوم لتطبيق الإرشاد الرسولي، نصًا وروحًا؟ ليس المطلوب استحضار الوثيقة كماضي جميل، بل كخارطة طريق قابلة للعيش. ولعل أهم ما ينبغي فعله:

أولًا، إعادة الاعتبار للدولة، وذلك عبر المساهمة الفعلية بسط سيادة الدولة وحدها من خلال توحيد المرجعية العسكرية، والعمل على إصلاح القضاء وإبعاده عن الضغوط السياسية.

ثانيًا، إجراء مصالحة سياسية – كنسية – مجتمعية داخل البيئة المسيحية، إذ أن الإرشاد ليس وثيقة روحية فقط، بل وثيقة مصالحة، وبالتالي فإنه من المستحيل تطبيقه في ظل الانقسام المسيحي العميق. فالمطلوب أولًا وأخيرًا مصالحة مسيحية – مسيحية كمقدمة لمصالحة لبنانية – لبنانية.

ثالثًا، صياغة عقد اجتماعي اقتصادي جديد في ضوء ما دعا إليه الإرشاد لناحية بناء اقتصاد يحترم الإنسان، وهذا الأمر يجب أن يترجم من خلال إعادة بناء المدرسة الوطنية على أسس متينة وراسخة، وحماية المستشفيات من المضاربات غير الشرعية والقانونية، وإطلاق خطة نهوض تنتقل من اقتصاد ريعي إلى اقتصاد منتج، ومواجهة الهجرة عبر مشروع وطني للشباب، مع توفير فرص عمل لهم، والإفساح في المجال لمشاركتهم الفعلية في الحياة السياسية.

رابعًا، التزام رجال السياسة بروح الوثيقة، إذ أنها ليست ملك الكنيسة وحدها، بل هي خطاب موجه إلى الدولة والسياسيين فإذا لم يقتنع أهل السلطة بروحه، فلن يطبق من الإرشاد أي شيء، ويبقى حبرًا على ورق.

ولأن لبنان اليوم يقف في لحظة تشبه تلك التي صدرت فيها الوثيقة، فقد يكون الوقت مناسبًا لإعادتها إلى الطاولة لا كذكرى، بل كبرنامج إنقاذ وطني.

مشاركة المقال: