ارتفاع قياسي في أسعار الخضروات يفاقم معاناة سكان الرقة الاقتصادية


هذا الخبر بعنوان "موجة غلاء الخضروات تضرب أسواق الرقة" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٦ آذار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
يواجه سكان مدينة الرقة شمالي سوريا صعوبات بالغة في تأمين احتياجاتهم الأساسية، حيث اضطر مصطفى الإسماعيل، أحد قاطني المدينة، إلى تقليص كمية الخضروات التي يشتريها يوميًا لعائلته إلى النصف. جاء هذا القرار الصعب نتيجة الارتفاع الكبير والمفاجئ في أسعار الخضروات بأسواق الرقة خلال الأيام الماضية، مما حوّل ما كان يُعدّ بندًا بسيطًا ضمن المصاريف اليومية إلى عبء إضافي يثقل كاهل الأسر في ظل الظروف الاقتصادية القاسية. وأوضح الإسماعيل، في حديثه لعنب بلدي، أن هذا الارتفاع المفاجئ، الذي شهد زيادة تتراوح بين ثلاثة وأربعة آلاف ليرة سورية للكيلوغرام الواحد لبعض الأصناف، دفع العديد من العائلات إلى تقليل استهلاكها أو الاستغناء عن بعض الخضروات التي تُعد أساسية على موائدها، خاصة في وجبتي الإفطار والعشاء.
لا يقتصر تأثير هذه الموجة من الغلاء على حالة مصطفى الإسماعيل فحسب، بل يمتد ليشمل جميع سكان محافظة الرقة الذين صُدموا بالزيادات الكبيرة في أسعار الخضروات، في ظل معاناتهم المستمرة من ضغوط اقتصادية متزايدة وضعف القدرة الشرائية. ووفقًا لما رصدته عنب بلدي في الأسواق المحلية، فقد شهدت الأسعار قفزات ملحوظة؛ حيث بلغ سعر كيلوغرام البندورة حوالي 13 ألف ليرة سورية بعد أن كان 10 آلاف ليرة، وارتفع سعر كيلو الكوسا إلى 20 ألف ليرة من 16 ألف ليرة، بينما وصل سعر كيلو الباذنجان إلى نحو 15 ألف ليرة بعد أن كان 12 ألف ليرة سورية. يرى الأهالي أن هذه الزيادات تأتي في توقيت حرج للغاية بالنسبة للعائلات محدودة الدخل، خاصة مع استمرار ارتفاع أسعار العديد من المواد الغذائية الأخرى خلال الأشهر الفائتة.
تتجاوز موجة الغلاء الحالية أسواق الخضروات لتطال معظم المواد الأساسية التي يحتاجها سكان الرقة يوميًا، مما يزيد من تعقيد تأمين متطلبات الحياة اليومية. وأفاد عدد من الأهالي لعنب بلدي أن الأجور المتدنية لذوي الدخل المحدود لم تعد كافية لمواكبة الارتفاع المتواصل في الأسعار، الأمر الذي يجبر العديد من الأسر على تقليص استهلاكها أو التخلي عن بعض الضروريات.
بينما يتحمل المستهلكون وطأة ارتفاع الأسعار، يشير المزارعون في المنطقة إلى أن تكاليف الإنتاج الزراعي قد شهدت هي الأخرى ارتفاعًا ملحوظًا مؤخرًا، مما ينعكس مباشرة على أسعار الخضروات في الأسواق. وفي هذا السياق، ذكر المزارع خلف الصالح، من ريف محافظة الرقة الشرقي، أن أسعار الأسمدة الزراعية ارتفعت بشكل كبير خلال الأيام القليلة الماضية، وذلك بعد فترة وجيزة من انخفاض نسبي. وأوضح الصالح أن سعر طن سماد اليوريا قفز بنحو 50 دولارًا أمريكيًا في غضون يومين فقط، حيث كان قد اشتراه قبل أيام بسعر 575 دولارًا، ليبلغ سعره حاليًا نحو 625 دولارًا. ويضيف أن هذا الارتفاع المفاجئ في أسعار الأسمدة يضاعف الأعباء على المزارعين، كونها تشكل مكونًا أساسيًا من تكاليف الزراعة، لا سيما للمحاصيل التي تتطلب إنتاجًا مكثفًا كالخضروات.
ويعزو التجار سبب هذا الارتفاع في الأسعار إلى التوترات الإقليمية، وبالأخص الحرب الإسرائيلية الإيرانية، التي أدت، بحسب قولهم، إلى تعطل بعض طرق النقل والتجارة وتوقف الحركة التجارية في مسارات دولية معينة، مما انعكس سلبًا على أسعار المواد الزراعية المستوردة.
يخشى المزارعون من أن استمرار ارتفاع أسعار مستلزمات الإنتاج قد يجبرهم على تقليص المساحات المزروعة أو تخفيض استخدام الأسمدة، وهو ما قد يؤدي إلى تراجع الإنتاج الزراعي وبالتالي ارتفاع الأسعار في الأسواق المحلية.
من جانبهم، لفت تجار في أسواق الرقة إلى أن تكاليف النقل تشكل عاملًا حاسمًا في تحديد الأسعار، خصوصًا أن جزءًا من الخضروات الواردة إلى المدينة يأتي من مناطق زراعية أخرى داخل سوريا. وبالتالي، فإن أي زيادة في أسعار الوقود أو تكاليف الشحن تنعكس فورًا على السعر النهائي للمستهلك. وقد أكد عدد من الباعة في أسواق الخضروات تراجع حركة البيع بشكل ملحوظ في الأيام الأخيرة، حيث يضطر العديد من الزبائن إلى شراء كميات أقل من المعتاد، بينما يمتنع آخرون عن شراء الأصناف باهظة الثمن.
بدوره، أوضح التاجر معتز العبود، أحد تجار الخضروات في سوق الرقة، أن ارتفاع الأسعار لا يقتصر على الإنتاج المحلي فحسب، بل يتأثر كذلك بعوامل مرتبطة بالاستيراد وحركة التجارة الخارجية. فكثير من مستلزمات الزراعة، كالأسمدة والبذور والمواد الزراعية الأخرى، يتم استيرادها من خارج البلاد. وأي زيادة في تكاليف الاستيراد تنعكس مباشرة على تكلفة الإنتاج الزراعي. وأشار العبود إلى أن ارتفاع تكاليف الشحن والنقل وعمليات الاستيراد مؤخرًا أدى إلى زيادة الأسعار في الأسواق، مما يجبر التجار على إضافة هذه التكاليف إلى السعر النهائي للمنتجات المعروضة للبيع.
ويعرب أهالي الرقة عن خشيتهم من استمرار تصاعد أسعار الخضروات في الفترة القادمة، خاصة إذا بقيت العوامل التي يربطها التجار بهذا الارتفاع قائمة، مثل ازدياد تكاليف الإنتاج الزراعي واضطراب حركة التجارة والنقل.
تجدر الإشارة إلى أن عنب بلدي كانت قد رصدت في تقارير سابقة موجات غلاء مماثلة للخضروات واللحوم في مختلف المحافظات السورية، بالإضافة إلى ضعف إقبال الأهالي على مستلزمات شهر رمضان، في ظل ظروف اقتصادية قاسية تنهك قدرتهم الشرائية. وفي سياق متصل، كان الخبير الاقتصادي والأستاذ في كلية الاقتصاد بجامعة حماة، الدكتور عبد الرحمن محمد، قد صرح لعنب بلدي سابقًا بأن الغلاء في سوريا ليس مجرد تضخم موسمي أو عابر، بل هو تضخم جامح وهيكلي، ويمكن وصفه بأنه غلاء "مستورد" في معظمه. ويعود ذلك إلى اعتماد الاقتصاد السوري بشكل كبير على الاستيراد لتلبية جزء واسع من احتياجاته، سواء كانت مواد أولية أو مستلزمات إنتاج. ويصاحب هذا الغلاء اختناق في التمويل وشح في السيولة، مما يؤدي إلى حالة من "الركود التضخمي".
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد