تصاعد المواجهة الأمريكية-الإسرائيلية الإيرانية: سوريا ساحة حاسمة لإعادة تشكيل الشرق الأوسط


هذا الخبر بعنوان "طبول الحرب الكبرى.. سوريا في قلب العاصفة" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٨ آذار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
يشير الكاتب خالد المطلق إلى تصاعد المواجهات بين التحالف الأمريكي-الإسرائيلي من جهة وإيران من جهة أخرى، منذ الثامن والعشرين من شباط الماضي، واصفاً إياها بأنها من أخطر التصعيدات العسكرية التي شهدها الشرق الأوسط منذ عقود. يرى المطلق أن هذا التصعيد تجاوز كونه مجرد جولات محسوبة ضمن "حرب الظل" التي سادت العلاقة بين هذه الأطراف على مدى العقدين الماضيين، لتدخل المنطقة مرحلة نوعية جديدة. تتسم هذه المرحلة بتداخل الضربات الجوية المباشرة والهجمات الصاروخية والحرب السيبرانية والرسائل السياسية ذات السقف العالي، في مشهد يوحي بمواجهة مفتوحة قد تتوسع في أي لحظة.
ما يميز الوضع الراهن هو أن المواجهة لم تعد تقتصر على الإدارة عبر الأذرع الإقليمية، بل أخذت طابعاً مباشراً نسبياً، مع تبادل للضربات يحمل رسائل ردع واضحة، ولكنه في الوقت نفسه يختبر حدود الانزلاق نحو حرب شاملة. لقد أظهرت الضربات المتبادلة انتقال الطرفين من سياسة "الرد المحسوب" إلى "الردع بالقوة المكشوفة". لم تعد المعادلة تقتصر على استهداف مواقع أو مخازن أسلحة، بل تطورت إلى محاولة لكسر صورة التفوق لدى الخصم وإعادة رسم خطوط حمراء جديدة.
في هذا السياق، تسعى واشنطن وتل أبيب على ما يبدو إلى تقليص القدرة الإيرانية على المبادرة الهجومية، بينما تراهن طهران على إثبات قدرتها على الصمود وإيصال رسائلها عبر صواريخ بعيدة المدى وأدوات غير تقليدية. يكمن الخطر الأكبر في هذا التصعيد في توقيته، حيث يأتي في لحظة إقليمية بالغة الهشاشة، لا سيما في سوريا التي تمر بمرحلة انتقالية معقدة بعد سقوط نظام بشار الأسد. فسورية، التي كانت على مدى السنوات الماضية ساحة صراع غير مباشر بين إسرائيل وإيران، تجد نفسها اليوم أمام واقع جديد يتمثل في غياب الحليف الإيراني من جهة، واستمرار اشتعال الصراع الإقليمي من جهة أخرى.
لا تقتصر الحرب الحالية على توازن الردع بين ثلاث قوى كبرى في المنطقة فحسب، بل تدور أيضاً حول شكل النظام الإقليمي المستقبلي، وحدود النفوذ، ومصير الدول التي كانت ساحات صراع بالوكالة، وفي مقدمتها سوريا. يرى الكاتب ضرورة البحث في تداعيات هذه الحرب على سوريا في ظل الحكومة المؤقتة الحالية. فسوريا أضحت نقطة حساسة في معادلة الصراع الإقليمي، خصوصاً بعد سقوط نظام الأسد الذي كان ركيزة أساسية للنفوذ الإيراني في المنطقة. كما أن خروج الميليشيات الإيرانية، التي كانت تستخدم سوريا كجسر استراتيجي لنقل الدعم إلى حلفائها في لبنان واليمن، أدى إلى فقدان إيران جزء كبير من قدرتها على التموضع العسكري في قلب الشرق الأوسط. ورغم أن هذا التراجع لا يلغي نفوذها بالكامل، إلا أنه يضعف قدرتها على استغلال الأراضي السورية كقاعدة لإطلاق ضربات مستقبلية أو لتنظيم شبكات دعم للميليشيات في لبنان.
لم تكن سوريا بمنأى عن هذه المواجهات، حيث تساقطت على أراضيها خلال السنوات الماضية بقايا صواريخ وطائرات مسيّرة جراء الصراع الإيراني-الإسرائيلي. وتثير استمرار تأثيرات هذه الحرب مخاوف على المدنيين والبنية التحتية. وفي حال اتساع نطاق الحرب أو لجوء إيران إلى استخدام ناقلات صواريخ عبر الحدود العراقية والسورية، قد تتحول سوريا إلى بؤرة صراع أكثر خطورة، خاصة مع ضعف مؤسساتها الوطنية وغياب قوة مركزية قادرة على ضبط الحدود والسيطرة على الفصائل المسلحة.
عسكرياً، يميل ميزان القوة التقليدي بوضوح لصالح الولايات المتحدة وإسرائيل، نظراً لتفوقهما الجوي والتقني وقدرتهما على الضرب بعيد المدى. لكن إيران تراهن على عاملين أساسيين: طول النفس وتعدد ساحات الاشتباك. تدرك طهران أن المواجهة المباشرة المتكافئة ليست في مصلحتها، لذا تحاول تحويل الصراع إلى معادلة استنزاف سياسي وأمني واقتصادي. يرى الكاتب أن الصراع الأمريكي-الإسرائيلي ضد إيران قد دخل مرحلة جديدة من الحرب المفتوحة بعد عقود من التوترات المتقطعة. ورغم أن إيران فقدت العديد من أدواتها التقليدية في المنطقة، إلا أنها لا تزال تمتلك القدرة على استخدام مسارات غير تقليدية لردع خصومها. وقد تصبح سوريا إحدى أهم الساحات التي يتشكل فيها هذا التوازن الجديد، ليس فقط كدولة مستقلة، بل كجسر جيوسياسي يؤثر في نفوذ القوى الإقليمية والاقتصادية.
إن الحرب الراهنة تتجاوز كونها مجرد تبادل للضربات، لتشكل تحولاً عميقاً في معادلة القوة بالشرق الأوسط. فبينما يميل ميزان القوى التقليدي لصالح التحالف الأمريكي-الإسرائيلي، تتمسك إيران باستراتيجيات غير متكافئة تجعل الصراع طويل الأمد ومعقداً. أما سوريا، فتمثل محطة حاسمة في هذه العملية، بين واقع هش وامتحان صعب لبناء استقرار حقيقي، أو أن تظل ساحة لصراع القوى الكبرى. يرى الكاتب أن ما نشهده اليوم ليس مجرد جولة عسكرية عابرة، بل مرحلة تأسيسية لإعادة تشكيل التوازنات في الشرق الأوسط. فالضربات المتبادلة تؤكد تراجع منطق "الاحتواء البارد" لصالح منطق "إعادة الردع بالقوة الصلبة". والمفارقة تكمن في أن جميع الأطراف تعلن ضمنياً أو صراحة عدم رغبتها في حرب شاملة، لكنها في الوقت ذاته تواصل اختبار حدود التصعيد.
خلاصة القول، إن مستقبل المنطقة لن يتحدد فقط بنتائج الضربات الجوية أو عدد الصواريخ المعترضة، بل بقدرة الأطراف على الانتقال من منطق كسر الإرادات إلى منطق إعادة تعريف قواعد الاشتباك. فإذا استمر التصعيد الحالي دون ضوابط سياسية، فقد نشهد إعادة رسم جذرية للخريطة الأمنية للشرق الأوسط. أما إذا نجحت قنوات التهدئة في فرض إيقاعها، فقد تتحول هذه الجولة إلى محطة فاصلة تؤسس لتوازن ردع جديد أكثر وضوحاً. وفي كل الأحوال، تبقى سوريا في قلب هذا التحول، فإما أن تستثمر لحظة الانفكاك عن المحاور لتأسيس مرحلة استقرار وطني مستقل، وإما أن تجد نفسها مرة أخرى في عين عاصفة صراع لا تتحكم بإيقاعه.
سياسة
سياسة
سياسة
رياضة