الاقتصاد العالمي وحروب الاستنزاف: الكلفة الخفية التي تنهي الصراعات


هذا الخبر بعنوان "حين يعجز الاقتصاد عن حمل الحرب" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٨ آذار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
يشير الدكتور سلمان ريا إلى أن للحرب جناحين متلازمين: جناح عسكري يتجلى في الميدان، وجناح اقتصادي يعمل في العمق بصمتٍ، لكن تأثيره لا يقل أهمية. فبينما يُقاس الجناح العسكري بحجم القوة النارية والقدرة على الردع، يُقاس الجناح الاقتصادي بقدرة الدول على تحمل الكلفة والاستمرار في دفع ثمن الصراع. في الحروب الحديثة، لم تعد الجيوش وحدها هي التي تقاتل، بل تشارك معها الموازنات العامة، وأسواق الطاقة، وشبكات التجارة، وسلاسل الإمداد التي تربط اقتصادات العالم ببعضها.
المواجهة الراهنة بين إسرائيل والولايات المتحدة من جهة، وإيران من جهة أخرى، وما يصاحبها من اصطفافات إقليمية ودولية، لا يمكن فهمها من زاوية الميدان العسكري فحسب. فهذه الحرب، مهما بدت محصورة جغرافيًا، تمس في الحقيقة قلب الاقتصاد العالمي. كل تصعيد عسكري ينعكس فورًا في الأسواق، وكل توتر في المنطقة يتحول إلى قلق عالمي بشأن الطاقة والتجارة والاستقرار المالي.
يكفي أن نلاحظ أن منطقة الصراع تقع بالقرب من أهم شرايين الطاقة في العالم. فمضيق هرمز، الذي يمر عبره جزء كبير من تجارة النفط العالمية، يشكل نقطة حساسة في حركة الطاقة الدولية، بينما يُعد مضيق باب المندب بوابة حيوية للتجارة بين آسيا وأوروبا عبر البحر الأحمر. وأي اضطراب في هذين الممرين لا يبقى حدثًا إقليميًا محدودًا، بل يمتد أثره إلى الصناعات في شرق آسيا، وإلى أسواق الطاقة في أوروبا، وإلى تكاليف النقل والغذاء في مناطق بعيدة عن جغرافيا الحرب.
في عالم شديد الترابط اقتصاديًا، لم تعد الحروب الكبرى قادرة على البقاء محلية. فارتفاع أسعار النفط والغاز يضغط على الاقتصادات الصناعية، وتعطل الملاحة البحرية يرفع كلفة التجارة الدولية، وتصبح سلاسل الإمداد التي تشكل العمود الفقري للاقتصاد العالمي أكثر هشاشة. ومع كل يوم إضافي من التوتر، يتسع نطاق القلق في الأسواق، وتتزايد احتمالات التضخم والركود في آن واحد.
لا تقتصر الكلفة على الدول البعيدة، فالدول المشاركة في الحرب أو الواقعة ضمن نطاقها الجغرافي تتحمل العبء الأكبر. تتضخم الموازنات العسكرية، وتتراجع الاستثمارات، وتُستهلك الموارد التي كان يمكن توجيهها إلى التنمية في إدارة الصراع. وحتى الدول التي قد تستفيد مؤقتًا من ارتفاع أسعار الطاقة تجد نفسها أمام معادلة معقدة، لأن أي اضطراب طويل في الاقتصاد العالمي سينعكس في النهاية على الجميع بلا استثناء.
من هنا تتضح الحقيقة التي تحكم الحروب في عصر الاقتصاد المعولم: القدرة العسكرية وحدها لا تكفي للاستمرار طويلًا. فحين تتجاوز كلفة الحرب حدود الاحتمال الاقتصادي، تبدأ الضغوط بالظهور من كل اتجاه؛ من الأسواق المالية، ومن الشركات الكبرى، ومن الحلفاء الذين يدركون أن استمرار الصراع يهدد استقرارهم هم أيضًا. يبين التاريخ الحديث أن كثيرًا من الحروب لم تنتهِ بانتصار حاسم، بل انتهت عندما أدركت الأطراف المتصارعة أن الاستمرار سيقود إلى خسارة جماعية. وفي عالم يقوم على شبكة معقدة من المصالح الاقتصادية، يصبح الاستنزاف الطويل خطرًا لا يمكن لأي طرف أن يتحكم بنتائجه.
لهذا تبدو نهاية هذه الحرب ضرورة أكثر منها خيارًا. فكل يوم إضافي من التصعيد لا يضيف فقط إلى الخسائر البشرية والمادية، بل يضيف طبقة جديدة من الاضطراب إلى الاقتصاد العالمي. وعندما تبدأ الاقتصادات بالتآكل، يصبح استمرار الحرب عبئًا يفوق قدرة الجميع على تحمله. في النهاية، قد تستطيع الجيوش أن تطيل أمد القتال، لكن الاقتصادات نادرًا ما تستطيع أن تطيل أمد الحرب إلى ما لا نهاية. وحين يعجز الجناح الاقتصادي عن حمل عبء الصراع، يصبح وقف الحرب الطريق الوحيد لتجنب انهيارات لا يستطيع أحد بعد ذلك التحكم في مسارها. (موقع: أخبار سوريا الوطن)
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد