حماة: إرث المعارك.. الألغام والذخائر غير المنفجرة تهدد حياة المدنيين وتشل الزراعة والرعي


هذا الخبر بعنوان "حماة.. الألغام تحاصر القرى وتهدد حياة المزارعين ومربي الأغنام" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٨ آذار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
بعد سنوات من المعارك العنيفة والعمليات العسكرية الطاحنة في ريف حماة الشرقي، وتحديدًا في قرى ناحية عقيربات، خلّفت تلك الصراعات إرثًا ثقيلًا من الألغام الأرضية والذخائر غير المنفجرة. هذه المخلفات الحربية تنتشر اليوم في الحقول والطرق وحتى داخل القرى المهجورة والمأهولة، لتتحول إلى كابوس يومي يلاحق المزارعين ومربي الأغنام، ويمنع آلاف العائلات من العودة إلى ديارها.
يصف مدين محمد الصطوف واقع قرية دويزينة بريف عقيربات، مؤكدًا أن جميع محاولات العودة إليها باءت بالفشل بسبب الألغام المنتشرة في كل مكان. ويشير مدين إلى أن أهالي القرية مشتتون بين الرقة والباب وإدلب ومناطق أخرى، ولا يزالون غير قادرين على العودة. ويشدد على أن المنطقة بحاجة ماسة إلى مسح شامل من قبل الجهات المختصة، محذرًا من أن الألغام ستودي بحياة الكثيرين. ويضيف أن دويزينة تُعد الأكثر تضررًا بالألغام في منطقة عقيربات، حيث تعرض كل من حاول دخولها من الرعاة أو المارة لانفجارات أودت بحياته أو تسببت بإصابات بليغة.
لا يختلف الوضع كثيرًا في قرية الهداج، حيث يشير مندوبها عبد الستار محمد الأحمد إلى أن الألغام الظاهرة للعيان فقط هي التي تمت إزالتها بواسطة فريق هندسي، دون إجراء أي مسح شامل لمحيط القرية. ويوضح عبد الستار أن قريتهم كانت محاطة بالكامل بالألغام، وأن ما أزيل هو فقط ما عثروا عليه وأبلغوا عنه. ويكشف أن الفريق الهندسي أخبرهم بضرورة الاتصال بهم فور رؤية أي لغم جديد، لكنه لم يقم بمسح شامل. ويضيف أن المشكلة الحقيقية تكمن في الألغام المطمورة تحت الأرض، حيث لا يملك الأهالي أجهزة كشف ولا يستطيعون البحث عنها بأنفسهم.
تشهد قرى أخرى بريف حماة خطر انتشار القنابل العنقودية الصغيرة بين المنازل. يروي محمود خالد المرعي، أحد سكان قرية سوحا، أن الذخائر غير المنفجرة منتشرة في القرية وبين المناطق المأهولة. ويضيف محمود أن هناك قنابل عنقودية صغيرة بالقرب من منزله ومنازل جيرانه، وهي تشكل إغراءً خطيرًا للأطفال الذين لا يدركون خطورتها، مما يثير رعب الأهالي الدائم على أطفالهم. كما يشير إلى وجود مخلفات حرب في الأراضي الزراعية قرب الطريق العام، وهو ممر يومي للأهالي وأطفالهم، مما يسبب قلقًا مستمرًا رغم وضع إشارات تحذيرية.
تحول موسم الربيع، الذي يُعد فرصة ذهبية لمربي الأغنام في البادية بفضل وفرة العشب والمياه، إلى موسم رعب بسبب الألغام. يؤكد مدين الصطوف، وهو أحد مربي الأغنام، أن هذا العام شهد أمطارًا غزيرة ونموًا وفيرًا للعشب، لكن الأهالي يرفضون المخاطرة بحياة أطفالهم وعائلاتهم من أجل الرعي. وقد خسرت بعض العائلات قسمًا كبيرًا من قطعانها.
ويتحدث طارق العبد الله، وهو مربي أغنام آخر من البادية السورية، عن حجم الخسائر البشرية والمادية، مشيرًا إلى وفاة شابين من رعاة الأغنام الأسبوع الماضي بانفجار ألغام. كما انفجر لغم بسيارة تقل أربعة أشخاص، ما أدى إلى مقتلهم جميعًا. ويضيف طارق أن حتى المواشي لم تسلم، فقد فقد نعجتين وأصيبت ثالثة جراء انفجار لغم أثناء رعيها. وقد اضطر الرعاة المتمرسون في البادية إلى تفجير الألغام بأنفسهم بطرق بدائية، عبر جمعها ووضع الحطب فوقها وإشعال النار.
لا تقتصر المعاناة على الرعي، فالزراعة متوقفة تمامًا. يوضح عبد الستار الأحمد، مندوب قرية الهداج، أنه حتى لو سمحت الدولة بالزراعة ووفرت البذار، فلن يجرؤ أي صاحب جرار على دخول الأراضي لحرثها. لا أحد يقبل المخاطرة بحياته في أرض لم تخضع لمسح شامل وتطهير كامل من الألغام. ويضيف أنه يملك حديقة منزلية صغيرة، لكنه يبحث منذ شهر كامل عن صاحب جرار ليأتي ويحرث هذه الأرض، إلا أن الجميع يرفض القدوم خوفًا من الألغام غير المكشوفة.
أكدت إدارة الإعلام والاتصال في وزارة الدفاع أن أفواج الهندسة تعمل بشكل متواصل في ريف حماة الشرقي، وأن المنطقة مدرجة ضمن خطط التمشيط والمعالجة، والعمل الميداني لم يتوقف. وأوضحت أن أفواج الهندسة تعمل وفق معايير فنية واضحة ومراحل متدرجة، حيث يبدأ التدخل بإزالة الأخطار المباشرة والظاهرة التي تهدد حياة المدنيين بشكل فوري، ثم تُستكمل عمليات المسح الأوسع تباعًا. وفي ما يخص العودة الآمنة وتوفير الخدمات، أشارت الإدارة إلى أن تأمين المناطق من مخلفات الحرب يشكل أولوية مستمرة، لكن بسبب الانتشار الواسع للمخلفات واتساع الجغرافيا، لا يمكن تحديد جدول زمني لذلك.
من جانبها، أكدت وزارة الطوارئ وإدارة الكوارث أن فرقها تعمل على التوعية والمسح وإزالة مخلفات الحرب من خلال المركز الوطني لمكافحة الألغام التابع للوزارة. وأوضحت الوزارة أن ريف حماة الشرقي كان تحت سيطرة النظام السابق، وبالتالي لا توجد معلومات دقيقة عن عدد الضحايا في تلك الفترة. وأضافت أن الاستجابة لحوادث انفجار مخلفات الحرب مرتبطة بالبلاغات، وأن لديهم مركزين في المنطقة. وبخصوص حملات التوعية، أكدت الوزارة أنها بدأت منذ لحظة التحرير عبر التوعية المباشرة للسكان، وبالملصقات، وعبر وسائل التواصل الاجتماعي. وكشفت عن وجود تنسيق مع المنظمات الدولية والأمم المتحدة، إذ ينسق المركز الوطني لمكافحة مخلفات الحرب مع وحدة الأمم المتحدة للألغام ومع جميع الجهات العاملة في قطاع إزالة مخلفات الحرب. وبشأن حجم المشكلة، قالت الوزارة إن "سوريا تسبح على بحر من مخلفات الحرب، وسجلت أعلى عدد من الضحايا العام الماضي. وقد بدأنا العمل بخطة وطنية، وسنسعى لجعل كل سوريا آمنة، لكن ذلك يحتاج إلى جهود كبيرة ووقت طويل وموارد هائلة".
سوريا محلي
سوريا محلي
سوريا محلي
سوريا محلي