المرأة السورية: صانعة المعجزات وقوة الصمود في وجه القصف والنزوح


هذا الخبر بعنوان "في اليوم العالمي للمرأة.. نساء سوريا تحت القصف والنزوح صنعن المعجزات" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٨ آذار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في خضم الظروف القاسية التي شهدتها سوريا، حيث لم تهدأ سماء البلاد من قصف الطيران، برز دور المرأة السورية كقوة دافعة للصمود والبناء. فمنذ انطلاق الثورة السورية عام 2011، لم تقتصر مشاركتها على التواجد في الشارع، بل امتدت لتشمل العمل المدني الحيوي، كالتعليم البديل والرعاية الإنسانية وإدارة المبادرات الاجتماعية. ورغم التحديات المجتمعية والضغوط العائلية والمخاطر الشخصية، تمكنت النساء من فرض وجودهن وإثبات قدرتهن على الصمود، والمساهمة بفاعلية في الحفاظ على تماسك المجتمع واستمرارية الحياة، مؤكدات أنهن جزء أصيل من صميم الثورة وقوة بناء وإعمار تعيد تشكيل المستقبل خطوة بخطوة.
ولتسليط الضوء على هذا الدور المحوري، أجرت "الثورة السورية" لقاءً مع الدكتورة إيمان قريد، مسؤولة التطوير والتدريب في مديرية ثقافة إدلب ومسؤولة العلاقات العامة في جمعية "نساء سوريا". استعرضت الدكتورة قريد تجربتها الشخصية ومساهمات النساء في مختلف مجالات العمل المدني والتعليمي والإغاثي خلال سنوات الثورة.
كيف شاركت المرأة السورية في انطلاق الثورة السورية؟ وكيف واجهت مجتمعها آنذاك؟
كانت المرأة حاضرة بقوة في الشارع منذ الأيام الأولى للاحتجاجات عام 2011، حيث شاركت في المظاهرات، ورفعت اللافتات، ووقفت في وقفات صامتة رغم الخطر المحدق. وفي العديد من المناطق، اضطلعت بدور مراقبة تحركات الأمن وإبلاغ المتظاهرين لتخفيف الاعتقالات. كما تحولت بيوت كثيرة إلى مساحات آمنة لإسعاف المصابين أو إخفاء المطلوبين، وكانت النساء يدِرن هذه الأدوار بصمت ودقة. حتى التوثيق الأولي للمظاهرات كان جزء كبير منه بعدسة نساء صوّرن من الشبابيك والأسطح، وبهذا الشكل، كانت المرأة جزءاً لا يتجزأ من انطلاقة الثورة.
ما التحديات المجتمعية التي واجهتها المرأة بسبب مشاركتها في الثورة؟
منذ بداية مشاركة المرأة في الثورة، واجهت تحديات ليست بالبسيطة، فالمجتمع نفسه كان أحياناً أول حاجز أمامها. تعرضت الكثير من النساء للتشكيك لمجرد خروجهن للمظاهرات أو عملهن في الحراك المدني، وكأن مشاركتهن أمر غير مألوف أو غير مقبول. كما كان الضغط العائلي حاضراً دائماً، فالخوف على البنت كان مضاعفاً، والخطر عليها كان يُنظر إليه بطريقة مختلفة. وكان الاعتقال أحد أكبر المخاوف، ليس فقط بسبب الألم نفسه، بل بسبب الوصمة التي قد تلاحق المرأة بعده، حتى لو كانت بريئة ولم تفعل شيئاً سوى المطالبة بحقها. هذا الخوف وحده كان كافياً لدفع الكثيرين لمحاولة إبعاد النساء عن أي نشاط. وفوق كل هذا، كانت هناك نظرة اجتماعية تحاول حصر دور المرأة داخل البيت، وتعتبر وجودها في الشارع أو في العمل المدني "تجاوزاً". ومع ذلك، استمرت النساء، وفرضن وجودهن مع الوقت، لدرجة أن الكثير من هذه التحديات بدأ يخف لأن الواقع نفسه تغيّر.
ما أشكال النشاط المدني الذي مارسته النساء في إدلب؟
في إدلب، كان واضحاً أن النساء لم يقفن على الهامش ولم ينتظرن تحسّن الظروف. ففي كل مدينة وقرية ومخيم، من إدلب المدينة إلى بنّش وسرمدا ومعرة مصرين والدانا، وصولاً إلى مخيمات أرمناز وأطمة وقاح وكللي، كانت النساء يعملن يومياً للحفاظ على تماسك مجتمعهن. أسسن مبادرات تعليمية بسيطة بإمكانات قليلة، وفتحْن صفوفاً داخل البيوت والخيام، وقدّمن دعماً نفسياً للأطفال الذين عاشوا القصف والنزوح. وفي أماكن أخرى، عملن على حملات توعية صحية واجتماعية، وزرن العائلات المتضررة، وجمعن احتياجات النازحين، ونظمن توزيع المساعدات بطريقة تحفظ كرامة الناس. حتى في أصعب الظروف، حين كانت السماء لا تهدأ من الطيران، كانت النساء يكملن عملهن، يدرّسن، ويطبخن للمخيم، وينسّقن مبادرات صغيرة، ويخلقن حلولاً يومية حتى لا ينهار المجتمع.
كيف ساهمت المرأة في التعليم البديل وإدارة المدارس أثناء الحرب؟
عندما توقفت المدارس بسبب القصف أو النزوح، لم تنتظر النساء الحلول الرسمية، بل خلقن بدائل من الصفر. فتحن صفوفاً داخل البيوت، وفي الأقبية، وحتى في الخيام داخل المخيمات المنتشرة من أطمه وكللي وقاح وصولاً إلى مخيمات أرمناز. كنّ يدرّسن الأطفال بأبسط الوسائل المتاحة، لأنهن كنّ يعرفن أن الجهل أخطر من الحرب نفسها. وفي كثير من المناطق، تولّت النساء إدارة المدارس بشكل كامل، من تنظيم الدوام، ومتابعة الطلاب، والتواصل مع الأهالي، وحتى تأمين الكتب والقرطاسية. كنّ يعملن تحت ضغط كبير، بين القصف والخوف والمسؤوليات العائلية، ومع ذلك كنّ يحاولن الحفاظ على استمرارية التعليم ومنع جيل كامل من الضياع. ما فعلته المرأة في التعليم لم يكن مجرد بديل مؤقت، بل كان فعل إنقاذ حقيقي، إنقاذاً للطفولة، وللمستقبل، وللأمل الذي حاولت الحرب إطفاءه.
ما أثر النزوح الداخلي على أدوار النساء في المجتمع؟
غيّر النزوح الداخلي حياة المرأة من جذورها، فجأة وجدت نفسها مسؤولة عن أسرة كاملة في ظروف لا تشبه أي شيء عرفته قبل الحرب. في المخيمات، كانت المرأة هي التي تدير تفاصيل الحياة اليومية، من تأمين الطعام، ومتابعة الأطفال، والتعامل مع البرد والحر والمرض، وكل ذلك وهي تحاول الحفاظ على تماسك عائلتها. لم يزد النزوح مسؤولياتها فقط، بل نقلها إلى أدوار جديدة لم تكن تتخيلها، فكثير من النساء أصبحن معيلات بعد فقدان الزوج أو غيابه، وبدأن العمل في مبادرات صغيرة داخل المخيمات، من التعليم إلى الخياطة وحتى تنظيم حملات دعم للنازحين. ومع الوقت، أصبح واضحاً أن المرأة هي التي حافظت على استقرار العائلات، وجعلت الحياة تستمر رغم كل الظروف. باختصار، النزوح لم يكسر المرأة، بل كشف قوتها وقدرتها على إعادة بناء حياة كاملة من الصفر.
كيف استطاعت المرأة في إدلب تحقيق توازن بين مسؤوليات الأسرة والعمل؟
رغم كل الضغوط التي عاشتها إدلب خلال الحرب، استطاعت المرأة أن تخلق نوعاً من التوازن بين مسؤولياتها داخل البيت وبين عملها في المجتمع. لم يكن توازناً مثالياً أو سهلاً، لكنه كان نابعاً من إحساس كبير بالمسؤولية. كثير من النساء كنّ يبدأن يومهن مع عائلاتهن، بتجهيز الأطفال، وترتيب البيت، ومتابعة الاحتياجات الأساسية، ثم يخرجن للعمل في التعليم أو الإغاثة أو المبادرات المدنية، ويعدن ليكملن دورهن داخل البيت وكأنهن لم يتعبن. السر كان في قدرة المرأة على دمج الدورين بدل أن تفصل بينهما، فأحياناً كانت تأخذ أطفالها معها إلى المراكز أو الصفوف البديلة، وأحياناً كانت تعمل من البيت إذا كانت الظروف الأمنية لا تسمح بالخروج. أما في المخيمات، فقد تضاعفت مسؤولياتها، لكنها كانت تجد حلولاً يومية بسيطة حتى تستمر، كتقسيم الوقت، والاعتماد على دعم نساء أخريات، ومشاركة المهام داخل الأسرة قدر الإمكان. بهذا الشكل، استطاعت المرأة أن تحافظ على بيتها وعلى دورها في المجتمع في الوقت نفسه، فرغم الحرب والقصف والنزوح، كانت تعمل على جبهتين وتنجح في كلتيهما، وهذا من أقوى صور الصمود التي شهدناها خلال السنوات الماضية.
برأيك، ما أبرز قصص النجاح النسائية خلال سنوات الثورة؟
رغم الحرب والقصف والنزوح، ظهرت في إدلب قصص نجاح نسائية تشبه المعجزات الصغيرة التي تصنعها الإرادة اليومية. استطاعت الكثير من النساء تحويل الظروف القاسية إلى مساحات عمل وحياة. ففي التعليم، ظهرت معلمات أسسن صفوفاً بديلة داخل البيوت والخيام، وحافظن على تعليم مئات الأطفال رغم انقطاع المدارس. وفي القطاع الصحي، عملت نساء تحت القصف، وقدّمن رعاية للأمهات والأطفال، وكنّ خط الدفاع الأول حين كانت المستشفيات تُستهدف. وفي المجتمع المدني، ظهرت مبادرات نسائية صغيرة لكنها مؤثرة، كإنشاء مراكز دعم نفسي، وورشات تدريب مهني، وحملات توعية، وتنظيم مساعدات للنازحين في المخيمات الممتدة من أطمه وقاح وكللي وصولاً إلى أرمناز ومعرة مصرين. حتى المشاريع المنزلية البسيطة مثل الخياطة، وصناعة الطعام، وتعليم الأطفال، تحولت إلى مصدر رزق واستقرار لعائلات كاملة. هذه النجاحات لم تكن نتيجة ظروف مريحة، بل نتيجة إصرار يومي، فالمرأة في إدلب أثبتت أنها قادرة على البناء، والتعليم، والتداوي، وإدارة مجتمع كامل رغم كل شيء. نجاحها كان صامتاً أحياناً، لكنه كان واضحاً في أثره وفي الطريقة التي حافظت بها على استمرار الحياة رغم الحرب.
كيف نعزز دور المرأة في إعادة بناء المجتمع مستقبلاً؟
رغم كل ما مرّرنا به، كان واضحاً أن إعادة البناء لا يمكن أن تتم بجهد طرف واحد، فالمرأة والرجل عملا جنباً إلى جنب، وكل واحد حمل جزءاً من المسؤولية. المرأة لم تكن بديلة عن الرجل، ولم تكن تعمل وحدها، لكنها كانت شريكاً حقيقياً في كل خطوة. فبينما كان الرجل يحاول تأمين الاستقرار والحماية ويواجه ظروف العمل الصعبة، كانت المرأة تكمل هذا الدور من خلال التعليم، ودعم العائلات، وتنظيم المبادرات، وإدارة التفاصيل اليومية التي تحافظ على تماسك المجتمع. هذا التعاون بين الطرفين هو ما جعل الحياة تستمر رغم الحرب، فكل واحد كان يسند الآخر، وكل واحد كان يعمل من موقعه حتى ينهض المجتمع من جديد. والمستقبل سيكون أقوى عندما تستمر هذه الشراكة، لأن إعادة البناء مسؤولية مشتركة، والمرأة والرجل فيها على الخط نفسه.
سوريا محلي
سوريا محلي
سوريا محلي
سوريا محلي