نخب عربية تدين الضربات الإيرانية وتتجاهل السياق الأميركي: هل يرون بعيون واشنطن؟


هذا الخبر بعنوان "«مثقفون» عرب «عميان بعيون أميركية»؟" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٩ آذار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
مع تصاعد الضربات الإيرانية التي استهدفت القواعد الأميركية في منطقة الخليج، سارعت شخصيات بحثية وإعلامية عربية إلى إدانة هذه الهجمات، مركزةً في خطابها على مبدأ «سيادة الدول» ومخاطر التصعيد. غير أن هذا الخطاب تجاهل بشكل لافت الدور العسكري المحوري لتلك القواعد في حروب المنطقة، وحوّل مسار النقاش من التركيز على العدوان الأميركي ــ الإسرائيلي إلى مساءلة المقاومة نفسها.
لقد تحركت شبكة واسعة من الباحثين والإعلاميين العرب بسرعة لإدانة الضربات الإيرانية على القواعد الأميركية في الخليج. وكان القاسم المشترك بين معظم هذه المواقف هو تجاهل السياق العسكري الذي تعمل فيه هذه القواعد، بما في ذلك استخدامها في عمليات عسكرية أميركية سابقة في المنطقة، من العراق إلى سوريا، وصولاً إلى دعمها العسكري لإسرائيل في حرب غزة، والعدوان الأميركي ــ الإسرائيلي على إيران. وقد جرى تأطير النقاش ضمن إطار قانوني وإعلامي يرتكز على مبدأ «سيادة الدول» المستضيفة لهذه القواعد، متجاهلاً بذلك العداء التاريخي بين الغرب ودول العالم الثالث، وما نتج عنه من استنزاف لقدراتها واستخدام أراضيها في عمليات عسكرية ضد محيطها الحيوي.
من بين الأصوات التي أدانت إيران، كان موقف عزمي بشارة لافتاً، والذي ورد في سياق مجتزأ. فبينما كان يحتفظ بمسافة عن الموقف الخليجي العام من قضايا خلافية، مثل تمايزه في الموقف من سلوك النظام السوري الجديد، وتمايز قناة «العربي» التابعة لإدارته في تغطية أكثر وضوحاً لمواجهة العدوان على إيران ولبنان، سرت شائعات حول خلافات بين الإدارة السياسية للدولة القطرية وبشارة. ومع ذلك، سارع بشارة إلى إدانة الهجوم الإيراني على القواعد الأميركية في المنطقة العربية، مؤكداً أن العدوان موجه ضد دول الخليج. وقد اعتبر بعض المتابعين هذا الموقف شبه إلزامي في أوساط المراكز والشخصيات الإعلامية الممولة خليجياً. وكتب بشارة في تدوينة على حسابه على إكس: «يمكن تبنّي تفسيرات مختلفة لاعتداءات إيران المتواصلة على الدول العربية الجارة، لكن هذا كلّه لا يغني عن الموقف، فالتفسير قد يُفهم كتبرير، والموقف يجب أن يكون إدانة قاطعة وواضحة لهذه الممارسة الإيرانية التي تتعرض لها هذه البلدان بمواطنيها ومقيميها». كما تساءل عن سبب عدم استهداف القواعد الأميركية في أذربيجان وتركيا. إلا أن المفارقة في طرح بشارة تكمن في تركيزه على «سيادة الدول المضيفة» دون مناقشة دور القواعد نفسها في العمليات العسكرية الأميركية التي تنطلق من أراضي تلك الدول، مكتفياً بتوصيفها بـ«المواقع» الأميركية.
في سياق آخر، سعى مدير «الشبكة العربية للأبحاث والنشر» السعودي نواف القديمي، في منشور على حسابه على فايسبوك، إلى مقاربة الصراع عبر تشبيه يضع إيران في موقع أقرب إلى كوريا الشمالية، في مقابل دول الخليج التي شبّهها بكوريا الجنوبية، من حيث التطور والاندماج في النظام الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة. وكتب القديمي: «صحيح أنّ الوضع في دول الخليج ليس بمستوى التطور الصناعي الموجود في كوريا الجنوبية، ولا أنّ الوضع في إيران يبلغ مقدار السوء الموجود في كوريا الشمالية، لكنّ المقاربة نفسها صحيحة بين الطرفين في حجم التفاوت الهائل لما يمكن أن يخسره كل طرف في هذه الحرب. لذلك، من الحكمة عدم الانجرار للمشاركة في هذه الحرب، لمصلحة دول الخليج أولاً ــ فهي ليست معركتهم ــ ولقطع الطريق على السعي الإسرائيلي ــ الإيراني الحثيث إلى دفع دول الخليج إلى خوضها». ويرى القديمي أن إيران دولة منهكة لا تملك الكثير لتخسره، ما يجعلها أكثر استعداداً لتوسيع الحرب، في مقابل دول الخليج التي «تملك ما تخسره»، وتسعى بالتالي إلى تجنبها. غير أن هذا الطرح أثار اعتراضات واسعة بين متابعيه، وهو ما ظهر بوضوح في التعليقات، خصوصاً مع محاولة المساواة بين إسرائيل وإيران في الحرب الجارية، وتصوير ما يحدث كأنه مؤامرة يمكن لدول الخليج تفاديها بمجرد الامتناع عن الانخراط فيها.
بالتوازي مع الخطاب الصاعد الذي يركز على إدانة الهجوم الإيراني على القواعد الأميركية في المنطقة العربية، برز خطاب آخر يستثمر الحرب لإدانة المقاومة الإسلامية في فلسطين، وخصوصاً حركة «حماس». فقد جرى تقديم النموذجين الإيراني والإسلامي العربي بوصفهما سبباً في إدخال المنطقة في دوامات من الحروب والمواجهات «غير المجدية». وبهذه الطريقة، أعيد توجيه النقاش بعيداً عن دور القواعد الأميركية في المنطقة.
كان من أبرز الأمثلة على ذلك مقال لحازم صاغية في صحيفة «الشرق الأوسط»، حاول فيه توجيه النقاش نحو إدانة الحركات الراديكالية، في إشارة إلى «حماس» و«الإخوان المسلمين»، من دون التطرق إلى دورها في مقاومة إسرائيل. بل على العكس، حرص صاغية على الإشارة إيجاباً إلى اتفاقية السلام التي وقّعتها مصر مع إسرائيل في نهاية سبعينيات القرن الماضي، منتقداً احتفاء إيران باغتيال أحد عناصر «الإخوان المسلمين» للرئيس المصري أنور السادات، الذي وقّع اتفاقية التطبيع وزار الأراضي المحتلة من دون تنسيق عربي. بهذه الطريقة، يحاول بعض من يُصنَّفون ضمن النخب الثقافية تحويل النقاش من العدوان الأميركي ــ الإسرائيلي على بلد جديد في الشرق الأوسط، إلى مراجعة حركات المقاومة نفسها، وتصنيفها والتبرؤ منها.
في السياق نفسه، برز عدد من صنّاع المحتوى الذين التقطوا الخطاب المتداول في الإعلام الخليجي، وسعوا إلى الانضمام إلى حملة تُحمّل إيران مسؤولية دعم الحركات «الراديكالية» في المنطقة، وعلى رأسها «الإخوان المسلمون». ومن بين أبرز هؤلاء صانع المحتوى نديم قطيش، الذي ظهر في مقاطع مصورة بعد تداول أنباء عن إنهاء عقده مع قناة «سكاي نيوز عربية»، مؤكداً على أنه اختار التفرغ لصناعة المحتوى. وفي أحد هذه الفيديوهات، تناول الحرب الدائرة بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة، مستثمراً اللحظة للدفاع عن السياسة الإماراتية، معتبراً أنها «استشرفت خطر الإخوان المسلمين بدقة»، مضيفاً: «في وقت الأزمات، اختاروا الأيديولوجيا وباعوا بلادهم، وأفتوا بحرمة حماية الأوطان». وذهب إلى حد القول إنّ «الإخوان أخطر من الباليستي والمسيّرات». وجاء كلامه رداً على بيان صادر عن منصة تُدعى «علماء ودعاة الأمة»، نسبها إلى جماعة الإخوان المسلمين، قال إنها «حرّمت الدفاع ضد الهجمات الإيرانية، معتبرة أنّ الحرب الدائرة هي حرب صهيونية أميركية ضد الإسلام».
وفي الاتجاه نفسه، أعادت المذيعة السورية آسيا هشام، التي غادرت قناة «المشهد» بعد إثارة جدل بسبب خطابها الطائفي، نشر فيديوهات تدين العلاقة بين إيران والإخوان المسلمين، معتبرة أنّها تنبّهت باكراً إلى «خطورة هذه العلاقة»، وواصفةً الإخوان بأنهم «ذراع داخل النظام الإيراني»، وأنهم «سبب خراب الربيع العربي». ما يبدو للوهلة الأولى مواقف فردية متفرقة، يتكشف عند النظر إليها ككل بوصفها منظومة خطابية متكاملة. منظومة تحاول تحويل النقاش من مسألة العدوان الأميركي ــ الإسرائيلي على إيران، إلى إدانة قانونية وأخلاقية لحق دولة في مقاومة هذا العدوان، إما عبر التركيز على الكلفة العالية للمقاومة، أو عبر ربطها بحركات راديكالية لتسهيل تأطيرها إعلامياً. وهكذا يُعاد توجيه النقاش بعيداً عن السؤال الأساسي، وهو دور القواعد الأميركية نفسها ووظيفتها العسكرية في المنطقة.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة