سوريا ما بعد الأسد: الاقتصاد الحر بين آمال تحسين المعيشة وواقع التحديات المعيشية


هذا الخبر بعنوان "سوريا بعد الاقتصاد الحر… تحسين معيشة المواطنه أم تجويعه؟" نشر أولاً على موقع snacksyrian وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٩ آذار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
يدفع الشارع السوري اليوم ثمن قرار السلطة السورية الانتقالية بالتحول السريع نحو “الاقتصاد الحر”، والذي شمل فتح الأسواق أمام حرية التجارة والتسعير، وانسحاب “الدولة” من التدخل في السوق، سواء عبر دعم السلع الأساسية أو تحديد سقوف سعرية للبضائع. هذا ما أشار إليه محمد العمر في سناك سوري.
على الرغم من ادعاء النظام السابق بأنه “اشتراكي” تطبيقاً لشعارات حزب “البعث”، إلا أن سياساته الاقتصادية الفعلية كانت بعيدة كل البعد عن الاشتراكية الحقيقية. وقد أعلن النظام ذلك صراحة منذ العام 2005 على الأقل، عندما تبنّى ما أسماه بـ”اقتصاد السوق الاجتماعي”. منذ ذلك الحين، بدأ النظام يخفف تدريجياً من “مظاهر الاشتراكية” عبر رفع أسعار المحروقات، وبدأ الحديث عن تحمل الدولة أعباءً كبيرة لتكاليف إنتاج المشتقات النفطية، مقابل بيعها للمواطنين بأسعار منخفضة “مدعومة”، مما كان يخلق عجزاً مستمراً في ميزانيتها. في المقابل، سارع النظام إلى إعطاء مجال واسع لعمل القطاع الخاص في مختلف المجالات، لكنه لم يكن يؤسس بذلك لاقتصاد حر حقيقي، بل لاقتصاد “محسوبيات” يقوده المقربون منه ويعتمد في أساسه على الرشاوى وتقاسم حصص النهب لتوزيع الكعكة على أصحاب النفوذ، دون تكافؤ في الفرص بين الشركات كما هو الحال في الاقتصاد الحر.
في الأثناء، كانت معاناة السوريين من سياسات النظام الاقتصادية وغياب القوانين على حساب تحقيق مصالح أصحاب النفوذ والمقربين من النظام، تشكل دافعاً لنسبة واسعة لإعلان عدائها لـ”الاشتراكية”، باعتبارها سمة من سمات النظام. إضافة إلى ذلك، فإن تغوّل النظام في سنواته الأخيرة على التجار والصناعيين وأصحاب الأعمال، من أكبر مصنع إلى أصغر بسطة في الشارع، عبر فرض الأتاوات والترهيب والاعتقال وغيرها من الانتهاكات، دفع النسبة الأوسع للمناداة بتحرير السوق والتخلص من تسلط النظام على حرية العمل في البلاد.
بعد هروب بشار الأسد يوم 8 كانون الأول 2024، وصلت السلطة الجديدة إلى سدة الحكم وحملت معها توجهاتها الجديدة التي تناقض في معظمها ما كان يتبعه النظام السابق، بما في ذلك إعلانها تبني “الاقتصاد الحر” كسياسة معتمدة لإدارة اقتصاد البلاد. وسارعت الحكومة الانتقالية لاتخاذ قرارات مفصلية في هذا الشأن، وفي مقدمتها الرفع الكلي للدعم سواء عن الخبز أو المشتقات النفطية وغيرها، بالإضافة إلى التخفيض الواسع للرسوم الجمركية على السلع المستوردة بمختلف أصنافها.
وبينما بدأت المحروقات بالتوافر بشكل كبير وغير محدد الكمية لكل شخص، كما كان الحال في عهد النظام السابق والبطاقة الذكية، فقد تم توحيد أسعارها التي تساوي أضعاف ما كان عليه السعر “المدعوم”. وباتت المعادلة تقول تقريباً: إما سعر مدعوم وأزمة في توفير المحروقات، وإما توافر لا محدود مقابل سعر مرتفع، وإما خبز سيء التصنيع بسعر رخيص أو خبز جيد بسعر مرتفع. وقد صرح ديروان: “يقيني أن سوريا الحرة ستغدو مضرب مثل بالحرية الاقتصادية وجذب الاستثمارات”.
تعد السياسات الاقتصادية عاملاً أساسياً في التنافس بين الأحزاب السياسية في الدول الديمقراطية، حيث تنقسم أصوات الناخبين بين مرشحي الأحزاب بحسب وعودهم وبرامجهم، خاصة في المجال الاقتصادي. فغالباً ما يعطي العمال ومحدودو الدخل أصواتهم لأحزاب يسارية تعد بسياسات العدالة الاجتماعية والتأمين الصحي والضمان الاجتماعي مثلاً، فيما يضع أصحاب رؤوس الأموال ثقلهم لتأييد الأحزاب اليمينية التي تنادي بحرية التجارة والمنافسة وفتح السوق أمام الفرص وإزالة أي عوائق أمام حركة الاستيراد والتصدير.
أما في الحالة السورية، فإن الشارع الذي دفع ثمن خيار “الاقتصاد الحر” الذي تبنته السلطة الجديدة، لم يشارك في اتخاذ هذا الخيار ولم يحظَ أصلاً بفرصة الانتخاب على أساس البرامج والطروحات. في وقتٍ لا تسمح فيه ظروف المرحلة الانتقالية بإجراء انتخابات ومنح فرصة للمواطنين لاختيار هادئ لمن يمثل مصالحهم، لكنها في المقابل تفترض أن السلطة الانتقالية لا تمتلك صلاحية تحديد هوية البلاد الاقتصادية طويلة الأمد دون رجوع إلى الشارع وتأمين غطاء شعبي يمنحها من الشرعية ما يكفي لاتخاذ مثل هذا القرار.
فبينما رحب كثيرون في بداية الأمر بسياسة “السوق المفتوح” حين بدأت الأسواق تغرق بالبضائع المستوردة بعد طول انقطاع، ونال أصحاب الأعمال حرية لم يعهدوها تحت حكم نظام الأسد، في تجارتهم ونقل بضائعهم دون قيود وإتاوات وترفيق، فقد بدأ الجانب السلبي لهذا القرار يظهر تدريجياً، تحت وطأة اجتياح الغلاء لكافة أصناف السلع بدءاً من الغذاء إلى الدواء، وصولاً إلى رفع سعر الكهرباء، وتحرير أسعار المحروقات التي باتت مرتبطة بسعر الصرف، في وقتٍ بقيت فيه القدرة الشرائية للمواطن السوري عاجزة عن مجاراة هذه الأسعار.
سيكون لافتاً أن الأصوات المعترضة على طريقة فتح الأسواق بشكل متسرع لم تأتِ فقط من أحزاب وقوى يسارية، بل وصل الأمر إلى أن رئيس الحزب الليبرالي السوري، بسام القوتلي، والذي يظهر توجهه من اسم الحزب، أبدى اعتراضه على الطريقة التي تم فيها الأمر. وقال القوتلي في حديثه لـ سناك سوري إن فتح الاستيراد بشكل كامل ضرب الطبقة الاقتصادية السورية، مضيفاً أن الحزب الليبرالي يؤيد تحرير السوق وتحرير الأسعار، على أن يتم ذلك بشكل تدريجي. مشيراً إلى أنه لا يمكن نقل المجتمع من “اشتراكية هجينة” وتسلط المتنفذين والفساد، إلى نظام اقتصادي مفتوح وتحرير للأسعار والجمارك وغيرها، موضحاً أن الحزب الليبرالي يسعى لقيام هذا النظام الاقتصادي الحر، ولكن ليس بيوم وليلة حيث يحتاج إلى وقتٍ كافٍ في ظل معاناة المجتمع من الجوع الفعلي، مبيناً أن إيمان حزبه باقتصاد السوق ينبع من أنه يخدم الناس ومستقبلهم لا أن يسفر عن تجويع الناس وفق حديثه.
من جانبٍ آخر، فإن تبني سياسة “السوق المفتوح” والاقتصاد الحر، لا يعني بطبيعة الحال تخلي الدولة عن مسؤولياتها الاجتماعية تجاه شعبها، وهو ما يحصل في قلاع الليبرالية والرأسمالية بدءاً من الولايات المتحدة وصولاً إلى أوروبا، حيث لا تزال “الدولة” مصدراً لبناء شبكات الضمان الاجتماعي وتوفير الرعاية الصحية وحتى رواتب البطالة، لأنها -مهما كانت رأسمالية- تحمل مسؤولية حماية مواطنيها من الجوع والعوز والعجز عن توفير أدنى مقومات الحياة.
يذكر أن المادة 11 من الإعلان الدستوري التي عرفت الهوية الاقتصادية للبلاد تقول إن الاقتصاد الوطني يهدف إلى تحقيق العدالة الاجتماعية والتنمية الاقتصادية الشاملة وزيادة الإنتاج ورفع مستوى المعيشة للمواطنين، وأن الاقتصاد الوطني يقوم على مبدأ المنافسة الحرة العادلة ومنع الاحتكار.
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد