أزمة الغاز في سوريا: نقص حاد، نفي رسمي، وحلول مؤقتة لمشكلة هيكلية


هذا الخبر بعنوان "حلول مؤقتة لمشكلة أعمق.. كيف تدار أزمة الغاز في سوريا؟" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٩ آذار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
شهدت مناطق عدة في سوريا خلال الأيام الماضية نقصاً حاداً في أسطوانات الغاز المنزلي، مما أدى إلى تجمهر المواطنين أمام مراكز التوزيع في محاولة يائسة لتأمين احتياجاتهم من هذه المادة الأساسية. وقد رصد مراسلو عنب بلدي تفاقم هذا النقص في عدد من المحافظات السورية، حيث اضطرت بعض المناطق إلى اعتماد دفتر العائلة كآلية لتنظيم عملية التوزيع والحد من الازدحام. وبعد أيام من تفاقم الأزمة، بدأت الأسعار تعود إلى طبيعتها في معظم المحافظات، بعد أن كانت قد وصلت في السوق السوداء إلى نحو 500 ألف ليرة سورية.
نفي رسمي لوجود نقص في الغاز
في المقابل، نفت وزارة الطاقة السورية، في بيان صحفي صدر بتاريخ 3 آذار، وجود أي نقص في المشتقات النفطية، بما في ذلك البنزين والمازوت والغاز المنزلي. وأوضحت الوزارة أن المصافي تعمل بكامل طاقتها، وأن عقود استيراد النفط الخام مستمرة عبر القنوات المعتمدة، مع تكرير الكميات وفق البرامج التشغيلية المعتادة، والمخزون التشغيلي ضمن الحدود الآمنة. وعزت الوزارة الازدحام الذي شهدته بعض محطات الوقود إلى ارتفاع غير مسبوق في حجم الطلب، متجاوزاً نسبة المبيعات 300% مقارنة بالمعدل اليومي الطبيعي، نتيجة التخوف من التطورات الإقليمية وانتشار الشائعات، وليس بسبب نقص فعلي في المادة.
وفي السياق ذاته، صرح مدير إدارة الاتصال المؤسساتي في الشركة السورية للبترول، صفوان الشيخ أحمد، بتاريخ 5 آذار، بأن عمليات إنتاج وتوريد الغاز تشهد تحسناً ملحوظاً. وأشار إلى أن متوسط الإنتاج بلغ نحو 130 ألف أسطوانة يومياً في عام 2025، وارتفع في شهر كانون الثاني 2026 إلى نحو 200 ألف أسطوانة يومياً بشكل متوسط. وبيّن الشيخ أحمد أن الاحتياج الطبيعي قبل الأزمة كان يقارب 170 ألف أسطوانة يومياً، إلا أن زيادة الطلب رفعت حجم الاستهلاك بشكل كبير.
توزيع الغاز في المحافظات السورية وجهود التوريد
وفقاً لـالشركة السورية للبترول، تتوزع كميات الإنتاج بشكل وسطي بين المحافظات والمناطق على النحو الآتي: دمشق (نحو 75 ألف أسطوانة يومياً)، حلب وإدلب (نحو 55 ألف أسطوانة يومياً)، حمص وحماة (نحو 29 ألف أسطوانة يومياً)، المحافظات الجنوبية (17 ألف أسطوانة يومياً)، منطقة الجزيرة (نحو 16 ألف أسطوانة يومياً)، والساحل (نحو 25 ألف أسطوانة يومياً).
وتعمل الشركة على تعزيز عمليات التوريد البحري والبري لمادة الغاز المسال (LPG)، مع استمرار التوريد البري بمعدل وسطي 800 طن يومياً من دول الجوار و110 طن إنتاج محلي. كما بدأت الشركة مؤخراً بتعزيز السعات التخزينية وإعادة ملء المخزون الاحتياطي من الغاز، بحسب صفوان الشيخ أحمد. وأكد الشيخ أحمد أن العمل مستمر بطاقة مضاعفة لضمان استقرار الإمدادات وتلبية احتياجات السوق المحلية، مع إبرام عقود لإنشاء خزانات جديدة في المصب النفطي بسعة 30 ألف طن لضمان عدم تكرار مثل هذه الأزمات، والعمل على صيانة الحقول لرفع الإنتاج المحلي.
لا عودة للبطاقة الذكية
نفت الشركة السورية للبترول بشكل قاطع كل ما يتم تداوله على صفحات وسائل التواصل الاجتماعي حول إجراءات جديدة لتقييد توزيع مادة الغاز المنزلي. وأكدت الشركة عدم صحة الشائعات المتعلقة بتوزيع جرة غاز واحدة شهرياً لكل دفتر عائلة، أو تدوين تاريخ استبدال الأسطوانة على صفحات محددة فيه. كما لا توجد أي دراسات حالية لإعادة العمل بنظام البطاقة الذكية لتوزيع الغاز المنزلي أو ربط التوزيع بآليات مشابهة لما ورد في الإشاعات المتداولة. وأوضحت الشركة أن الآلية المعتمدة حالياً لتوزيع الغاز هي المرجع الوحيد لتنظيم العمليات وضمان وصول المادة للمواطنين بشكل طبيعي، ولا يوجد أي توجه لتغييرها في الوقت الراهن.
انخفاض الإنتاج المحلي يعمق أزمة الغاز
من جانبه، أوضح الباحث الاقتصادي ملهم الجزماتي لـعنب بلدي أن أزمة الغاز في سوريا هي نتيجة تراكمية لتراجع الإنتاج المحلي وتضرر البنية التحتية للقطاع خلال سنوات الحرب. وقد انخفض الإنتاج من نحو 30 مليون متر مكعب يومياً قبل عام 2011 إلى ما يقارب 7 ملايين متر مكعب اليوم. ويربط الجزماتي هذا التراجع بتضرر بعض الحقول والمنشآت، وتعطل أعمال الصيانة والاستثمار لفترات طويلة، إضافة إلى عدم الاستقرار في مناطق الإنتاج. وأضاف أن الاعتماد المتزايد على الترتيبات الإقليمية لتأمين جزء من الإمدادات جعل منظومة الغاز أكثر عرضة لأي اضطراب في التدفقات الخارجية، كما ظهر مؤخراً مع تراجع الإمدادات الواردة عبر الأردن.
استجابة الحكومة السورية للأزمة وتأثيرها الاقتصادي
وقال الجزماتي إن استجابة الحكومة السورية للأزمة اتجهت أساساً نحو إدارة النقص أكثر من معالجة جذور المشكلة. فمحاولات تأمين إمدادات إضافية عبر ترتيبات إقليمية أو اتفاقيات توريد تظل حلولاً تشغيلية قصيرة المدى، بينما المشكلة الأساسية ما زالت مرتبطة بضعف الإنتاج المحلي وبنية قطاع الطاقة نفسها. وأشار إلى أن مستوى الشفافية للحكومة السورية لا يزال محدوداً، وأن المعلومات الصادرة عن مستويات الإنتاج أو الإمدادات متفرقة وليست منتظمة بما يكفي لإعطاء صورة دقيقة عن الكميات المتاحة فعلياً أو عن الفجوة بين العرض والطلب. لذلك، يبدو أن الملف لا يزال في مرحلة إعادة التقييم الفني والتشغيلي، أكثر منه في مرحلة إدارة مستقرة تسمح بنشر بيانات مفصلة بشكل دوري.
وفيما يتعلق بتأثير إدارة الحكومة السورية لهذه الأزمة على الاقتصاد السوري بشكل عام، أفاد الجزماتي بأن أزمة الغاز تنعكس مباشرة على الاقتصاد لأنها ترتبط بإنتاج الكهرباء. وأوضح أن أي نقص في الغاز يعني انخفاض ساعات التغذية الكهربائية، مما يرفع تكاليف الإنتاج الصناعي ويزيد اعتماد الشركات والأسر على المولدات والبدائل الخاصة، وهذا يضعف النشاط الاقتصادي بشكل عام ويزيد من كلفة المعيشة.
حلول طويلة المدى
واختتم الجزماتي حديثه بأن الحلول طويلة المدى يجب أن تركز أولاً على إعادة تأهيل الحقول ورفع الإنتاج المحلي، إضافة إلى تنويع مصادر الإمداد الخارجية لتقليل الاعتماد على مسار واحد. كما أن إصلاح قطاع الكهرباء نفسه وتحسين كفاءة الشبكة يمكن أن يقلل من الهدر ويخفف الضغط على إمدادات الغاز. واستعرض تجارب من دول مثل مصر والأردن التي تظهر أهمية تنويع مصادر الإمداد وبناء مرونة أكبر في شبكة الطاقة، مؤكداً أن الأزمات في قطاع الغاز غالباً ما تكون نتيجة اعتماد كبير على مصدر واحد أو مسار واحد للإمداد، بينما التنويع في المصادر والبنية التحتية يساعد على تقليل أثر أي اضطراب مفاجئ في السوق أو في الإمدادات.
سوريا محلي
سوريا محلي
سياسة
سوريا محلي