الذكاء الاصطناعي والتنبؤ بالحروب: بين القدرة على رصد المؤشرات وصعوبة التكهن القطعي


هذا الخبر بعنوان "هل تكشف الخوارزميات الحروب المقبلة؟" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٠ آذار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
أصبح الذكاء الاصطناعي في السنوات الأخيرة عنصراً محورياً في قطاعات متعددة كالاقتصاد والصحة والأمن. ومع التطور المتسارع لقدراته التحليلية، يتساءل الباحثون والحكومات حول إمكانية استخدامه لفهم مسار النزاعات المسلحة أو حتى التنبؤ بها قبل وقوعها. وتشير تقارير ودراسات حديثة صدرت مطلع عام 2026 إلى أن الذكاء الاصطناعي قد يسهم فعلاً في التنبؤ بمخاطر النزاعات، لكنه لا يزال بعيداً عن تحقيق التنبؤ الدقيق بالحروب.
يُعد "التقرير الدولي لسلامة الذكاء الاصطناعي لعام 2026"، الذي شارك في إعداده عشرات الخبراء من مؤسسات بحثية ومنظمات دولية، أحد أبرز هذه التقارير. ويؤكد التقرير أن أنظمة الذكاء الاصطناعي باتت قادرة على تحليل كميات هائلة من البيانات السياسية والاقتصادية والاجتماعية لرصد مؤشرات مبكرة قد تدل على تصاعد التوتر أو احتمالات اندلاع العنف. ومع ذلك، يحذر التقرير من أن التنبؤ بالنزاعات يظل مسألة معقدة بسبب الطبيعة غير المتوقعة للقرارات السياسية والأحداث المفاجئة.
في سياق متصل، أصدرت الأمم المتحدة في شباط/فبراير 2026 دليلاً عملياً حول استخدام الذكاء الاصطناعي في منع التطرف العنيف. ويوضح الدليل أن خوارزميات التعلم الآلي تستطيع تحليل البيانات الرقمية، مثل الخطاب على وسائل التواصل الاجتماعي أو أنماط التمويل المشبوهة، للكشف عن إشارات مبكرة لتصاعد التطرف أو احتمالات العنف. ورغم هذه الإمكانيات، تؤكد الأمم المتحدة على ضرورة توخي الحذر الشديد عند استخدام هذه الأدوات، نظراً لمخاطر التحيز في البيانات أو إساءة الاستخدام.
على الصعيد الأكاديمي، ظهرت دراسات حديثة تسعى لتطوير نماذج تنبؤية أكثر تقدماً. ففي دراسة بعنوان "الذكاء الاصطناعي من أجل السلام: نظام إنذار مبكر للعنف الجماعي"، استخدم الباحثون نماذج تعلم آلي لتحليل بيانات سياسية واقتصادية وتاريخية تتعلق بالنزاعات حول العالم. وخلصت الدراسة إلى أن هذه النماذج يمكنها تحديد مؤشرات الخطر قبل أشهر أو حتى سنوات من اندلاع بعض النزاعات، لكنها لا تقدم توقعات مؤكدة بل تقديرات احتمالية تعتمد على جودة البيانات المتاحة.
وفي دراسة أخرى حديثة، قام باحثون بتطوير نماذج ذكاء اصطناعي قادرة على تحليل النزاعات عبر الزمان والمكان باستخدام شبكات عصبية متقدمة. وتهدف هذه النماذج إلى توقع مستوى العنف أو عدد الضحايا في مناطق النزاع خلال فترة قد تصل إلى عام واحد. وتشير النتائج الأولية إلى تحسن ملحوظ في دقة التوقعات مقارنة بالأساليب الإحصائية التقليدية.
لا يقتصر استخدام الذكاء الاصطناعي في هذا المجال على الدراسات الأكاديمية فحسب، بل أصبح جزءاً من أنظمة تحليل حقيقية تستخدمها مؤسسات بحثية دولية. ومن أبرز هذه الأنظمة منصة VIEWS للتنبؤ بالنزاعات، التي طورتها مؤسسات بحثية مثل معهد أبحاث السلام في أوسلو وجامعة أوبسالا. يعتمد هذا النظام على التعلم الآلي لتحليل بيانات عالمية حول النزاعات المسلحة والتوترات السياسية، ويصدر توقعات دورية حول المناطق التي قد تشهد تصاعداً في العنف خلال الأشهر أو السنوات المقبلة. ووفقاً لتوقعات هذا النظام لعام 2026، فإن بعض المناطق مثل أوكرانيا والسودان ومناطق أخرى تشهد توترات سياسية حادة، قد تبقى الأكثر عرضة لمستويات مرتفعة من العنف المسلح. ومع ذلك، يؤكد الباحثون القائمون على المشروع أن هذه التوقعات لا تعني حتمية وقوع الأحداث، بل تعكس احتمالات مبنية على تحليل البيانات.
في هذا السياق، أوضحت الدكتورة نانسي بدران، مهندسة حلول الحوسبة للمشاريع السحابية في الحكومة الفيديرالية في أوتاوا – كندا، في حديثها لـ"النهار"، أن التطورات المتسارعة في تقنيات التعلم الآلي مكنت الباحثين من بناء نماذج قادرة على تحليل كميات ضخمة من البيانات السياسية والاقتصادية والاجتماعية المرتبطة بالنزاعات المسلحة. وتشير إلى أن هذه النماذج يمكن أن تساعد في تحديد "مؤشرات الخطر المبكر"، مثل تدهور الأوضاع الاقتصادية أو تصاعد الخطاب المتطرف أو تغير أنماط العنف في منطقة معينة. لكن الدكتورة بدران تشدد على أن هذه الأنظمة لا تتنبأ بالحروب بشكل حتمي، بل تقدم تقديرات احتمالية تعتمد بشكل كبير على جودة البيانات المتاحة. وتضيف أن النزاعات الدولية تتأثر بعوامل يصعب نمذجتها بدقة، مثل قرارات القادة السياسيين أو الأحداث المفاجئة أو التحولات الجيوسياسية السريعة. وتكمن القيمة الحقيقية للذكاء الاصطناعي في هذا المجال في دعمه لأنظمة الإنذار المبكر ومساعدة صناع القرار على فهم المخاطر المحتملة قبل تفاقمها، وليس في تقديم توقعات قطعية حول اندلاع الحروب. لذا، يجب استخدام هذه الأدوات ضمن إطار يجمع بين التحليل التقني والخبرة السياسية والبحثية، لضمان تفسير النتائج بمسؤولية وتجنب الاعتماد المفرط على الخوارزميات.
يجمع معظم الباحثين على أن الذكاء الاصطناعي قد يصبح أداة مهمة في مجال الإنذار المبكر للنزاعات، حيث يمكنه مساعدة الحكومات والمنظمات الدولية على رصد مؤشرات الخطر واتخاذ إجراءات وقائية مبكرة. ومع ذلك، يظل التنبؤ الدقيق بمستقبل الحروب أمراً بالغ الصعوبة، نظراً لتأثر النزاعات بعوامل معقدة مثل قرارات القادة السياسيين والأحداث المفاجئة والتحولات الدولية السريعة. ويرى الخبراء أن أفضل استخدام للذكاء الاصطناعي في هذا المجال لا يتمثل في التنبؤ بالحروب بشكل قطعي، بل في دعم صناع القرار بمعلومات وتحليلات تساعدهم على فهم المخاطر المحتملة والعمل على منع التصعيد قبل أن يتحول إلى نزاع مفتوح. وفي عالم تتزايد فيه الأزمات والتوترات، قد يصبح الذكاء الاصطناعي أداة جديدة في جهود حفظ السلام، لكنه لن يكون بديلاً عن الدبلوماسية والسياسة في إدارة الصراعات.
علوم وتكنلوجيا
علوم وتكنلوجيا
تكنولوجيا
علوم وتكنلوجيا