مستقبل إيران بعد خامنئي: تحديات انتقال السلطة وتأثيرها على الحسابات الأمريكية والإقليمية


هذا الخبر بعنوان "إيران بعد خامنئي.. انتقال السلطة واختبار الحسابات الأميركية" نشر أولاً على موقع North Press وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٠ آذار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
يشكل رحيل المرشد الإيراني علي خامنئي لحظة محورية في تاريخ الجمهورية الإسلامية، ليس فقط لما تحمله من رمزية سياسية ودينية عميقة، بل لأنها تفتح الباب أمام مرحلة انتقالية تتسم بالغموض في بنية النظام. لا يقتصر تأثير هذا الحدث على الأبعاد الداخلية فحسب، بل يمتد ليشمل ارتدادات إقليمية ودولية واسعة، وفي مقدمتها كيفية قراءة واشنطن للمشهد الجديد: هل ستنظر إلى هذه اللحظة كفرصة للضغط والحسم، أم كمدخل لإعادة صياغة قواعد الاشتباك مع طهران؟
على مدى عقود، مثّل خامنئي مركز الثقل في النظام الإيراني، حيث كان يضطلع بدور الموازن بين مؤسسة الرئاسة ومجلس صيانة الدستور والحرس الثوري الإيراني، بالإضافة إلى المؤسسة الدينية. إن غيابه عن المشهد في هذه المرحلة الحساسة من تاريخ إيران يضع النظام أمام اختبار حقيقي لتماسكه، ويجعل آلية انتقال السلطة تحت مجهر المتابعة الداخلية والخارجية على حد سواء.
ينص الدستور الإيراني على آلية محددة لاختيار مرشد جديد عبر مجلس خبراء القيادة، إلا أن الواقع السياسي أكثر تعقيداً من ذلك، إذ تتوزع مراكز القوة الفعلية بين التيار المحافظ التقليدي والمؤسسة الأمنية وشبكات النفوذ الاقتصادي المرتبطة بالحرس الثوري. يرى الدكتور صوران مسعودي، الخبير في الشأن الإيراني، أن المرحلة الانتقالية التي تمر بها طهران ستكون اختباراً لقدرة النظام على التوصل إلى توافق داخلي سريع، مشيراً في حديثه لنورث برس إلى أن أي تأخير أو انقسام سيُفسّر خارجياً كنقطة ضعف يمكن استغلالها.
في المقابل، يرى الباحث في السياسة الدولية سهيل شامل أن مؤسسات الدولة الإيرانية اعتادت على إدارة الأزمات ضمن إطار مغلق، مضيفاً: “حتى في حال وجود تنافس داخلي، فإن احتمال الانهيار السريع يبقى ضعيفاً، لكن إعادة توزيع النفوذ داخل النظام تبدو شبه مؤكدة”.
لا تُبنى القرارات في البيت الأبيض على ردود فعل آنية، بل على تقديرات دقيقة لموازين القوى. تدرك الإدارة الأميركية أن الضغط المفرط في لحظة انتقال حساسة قد يدفع طهران إلى مزيد من التشدد، خصوصاً إذا سعت القيادة الجديدة إلى تثبيت شرعيتها عبر خطاب تصعيدي. وكان الرئيس الأميركي دونالد ترامب قد أكد أن إنهاء الحرب مع إيران لن يتحقق إلا عبر ما وصفه بـ “الاستسلام غير المشروط”، مشدداً على أن واشنطن لن تبرم أي اتفاق مع طهران ما لم تقبل بهذا الشرط.
في المقابل، رفضت إيران هذه التصريحات، إذ نقلت وكالة إرنا الرسمية عن مسؤولين إيرانيين قولهم إن طهران “لن تقبل بأي شروط تمس سيادتها أو تفرض عليها الاستسلام”، مؤكدين أن إيران “قادرة على الدفاع عن نفسها ولن تخضع للضغوط الأميركية”. كما نقلت وكالة تسنيم المقربة من الحرس الثوري عن مصدر سياسي إيراني قوله إن “لغة التهديد والاشتراطات التي تتحدث بها واشنطن لن تجلب الاستقرار إلى المنطقة”، معتبراً أن الحل يكمن في “وقف التصعيد والعودة إلى مسار الدبلوماسية”.
في هذا السياق، يرى الخبير في الشأن الأميركي الدكتور جوزيف حداد أن واشنطن أمام خيارين رئيسيين: “إما تكثيف العقوبات والتحركات العسكرية لإرباك القيادة الجديدة، أو إرسال إشارات غير مباشرة بأن باب التفاوض لا يزال مفتوحاً”. ويضيف: “قد تعتمد الإدارة الأميركية سياسة مزدوجة تجمع بين تعزيز الردع العسكري في الخليج وتفعيل قنوات خلفية عبر وسطاء إقليميين أو أوروبيين لاختبار نوايا القيادة المقبلة”.
في تقرير حول وجود إشارات إيرانية غير مباشرة بشأن إمكانية فتح مسار تفاوضي لوقف الحرب مع الولايات المتحدة وإسرائيل، أشارت صحيفة نيويورك تايمز إلى أن هذه الرسائل جرى تمريرها عبر قنوات أمنية خلفية بعيداً عن المسارات الدبلوماسية العلنية. وبحسب التقرير، غالباً ما تشمل هذه القنوات وسطاء إقليميين أو دوليين، أو رسائل تنقل عبر أجهزة استخباراتية أو لقاءات غير معلنة بين مبعوثين غير رسميين، وهي آلية تُستخدم عادة عندما تكون المواجهة العسكرية محتدمة، لكن الأطراف لا تريد إغلاق باب التفاوض بالكامل.
وأوضحت الصحيفة أن هذه الإشارات لا تعني قبول طهران بالشروط الأميركية أو استعدادها لتقديم تنازلات جوهرية، لكنها تعكس وجود قلق داخل بعض دوائر السلطة الإيرانية من احتمال اتساع الحرب وتحولها إلى مواجهة إقليمية واسعة قد تستنزف قدرات إيران وحلفائها.
في أي مرحلة انتقالية، يبرز الحرس الثوري الإيراني بوصفه المؤسسة الأكثر تنظيماً وتأثيراً داخل النظام الإيراني. ولا يمتلك الحرس الثوري القوة العسكرية فحسب، بل شبكة واسعة من النفوذ الاقتصادي والإعلامي، ما يجعله لاعباً مركزياً في تحديد مسار المرحلة المقبلة. ويقول الخبير الأمني يوسف السلطان إن الحرس الثوري قد يسعى إلى تعزيز حضوره في القرار السياسي لضمان استمرارية النهج الاستراتيجي للنظام. ويضيف أن رد فعل المؤسسة العسكرية سيتوقف إلى حد كبير على طبيعة الموقف الأميركي: “إذا شعر الحرس الثوري بأن واشنطن تحاول استغلال الظرف، فسيغلب منطق الردع القاسي، أما إذا ظهرت إشارات تهدئة فقد يسمح بهامش من المرونة التكتيكية”.
إيران ليست لاعباً محلياً فحسب، إذ يمتد نفوذها إلى ساحات إقليمية عدة، أبرزها العراق وسوريا ولبنان واليمن. وأي تغيير في القيادة قد ينعكس على مستوى الدعم اللوجستي والعسكري لحلفائها، وعلى قواعد الاشتباك مع القوات الأميركية والإسرائيلية. وفي العراق، يحذر صوران مسعودي من أن الساحات المرتبطة بإيران قد تشهد مرحلة “جس نبض” متبادل، وربما عمليات عسكرية محدودة، كما حدث بالفعل خلال الأيام الماضية في العراق ولبنان. ويقول: “لا أحد يريد حرباً شاملة، لكن الجميع سيختبر حدود الآخر”.
بالنسبة إلى إسرائيل، يشكل رحيل خامنئي حدثاً بالغ الحساسية. فبينما ترى تل أبيب في البرنامج النووي الإيراني تهديداً وجودياً، فإنها تدرك أيضاً أن الفوضى داخل إيران قد تفرز قيادة أقل قابلية للردع. ويعتقد الخبير الاستراتيجي لؤي الصائب أن إسرائيل قد تفضل وضوح خصمها على غموضه، مشيراً إلى أن مرحلة انتقالية مضطربة في إيران قد تدفعها إلى رفع جاهزيتها العسكرية، لكنها لن تغامر بحرب شاملة دون تنسيق وثيق مع واشنطن.
تنظر كل من روسيا والصين إلى إيران كشريك استراتيجي في مواجهة النفوذ الأميركي. وأي اهتزاز في طهران قد يدفعهما إلى تعزيز الدعم السياسي والاقتصادي لضمان استمرار التوازن الإقليمي. وفي تقرير نشرته صحيفة واشنطن بوست، أشار مسؤولون أميركيون إلى أن موسكو قدّمت معلومات استخباراتية لإيران تتعلق بتحركات القوات الأميركية في المنطقة، بما في ذلك بيانات مرتبطة بالأقمار الصناعية ومراقبة التحركات البحرية والجوية. كما أشار تحليل صادر عن المجلس الأطلسي إلى أن موسكو تحاول مساعدة طهران عبر أدوات استخباراتية ودبلوماسية دون الانخراط في مواجهة عسكرية مباشرة مع الولايات المتحدة.
وفي السياق ذاته، تشير دراسة نشرها معهد بروكينغز إلى أن بكين تفضّل تقديم دعم سياسي واقتصادي لإيران مع الدعوة إلى خفض التصعيد، حفاظاً على استقرار إمدادات الطاقة ومصالحها الاستراتيجية في الشرق الأوسط. ويقول الصائب: “موسكو وبكين لا ترغبان في سقوط النظام الإيراني، لكنهما قد تستثمران المرحلة لتعزيز نفوذهما الاقتصادي والأمني داخل البلاد”.
يبقى السؤال الأكثر تداولاً: هل يفتح غياب خامنئي نافذة لإحياء مسار تفاوضي حول البرنامج النووي الإيراني؟ يجيب صوران مسعودي بأن الإجابة ليست محسومة، موضحاً أن القيادة الجديدة قد ترى في التهدئة فرصة لتخفيف العقوبات، لكنها لن ترغب في الظهور بمظهر المتراجع تحت الضغط. ولا يستبعد مسعودي إمكانية التوصل إلى اتفاق إذا تزامن انتقال السلطة مع رغبة داخلية في تخفيف العبء الاقتصادي، لكنه يحذر من أن أي شعور بتهديد خارجي قد يغلق الباب سريعاً.
يلخص مسعودي المسارات المحتملة في ثلاثة سيناريوهات رئيسية: الأول يتمثل في احتواء متبادل يقوم على إدارة التوتر دون انفجار واسع. أما الثاني فيتمثل في تصعيد محدود يتضمن ضربات ورسائل ردع متبادلة دون الانزلاق إلى حرب شاملة. في حين يبقى السيناريو الأخطر هو خطأ في الحسابات قد يقود إلى مواجهة أوسع.
في نهاية المطاف، لا يتعلق الأمر بشخص المرشد فحسب، بل ببنية نظام كامل وتوازنات إقليمية وصراع دولي أوسع. فوفاة خامنئي تفتح مرحلة جديدة قد تعيد تعريف العلاقة بين طهران وواشنطن، وتعيد رسم معادلات القوة في الشرق الأوسط. ويبقى السؤال معلقاً: هل ستستثمر الولايات المتحدة هذه اللحظة لتغيير قواعد اللعبة، أم ستفضل إدارة الصراع ضمن حدوده التقليدية؟ الإجابة، كما يرى مراقبون، ستتحدد بمدى قدرة الطرفين على قراءة التحول لا كفرصة للانتصار السريع، بل كلحظة دقيقة تتطلب حسابات باردة في منطقة لا تحتمل أخطاء استراتيجية جديدة.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة