تحركات الجيش السوري على الحدود مع لبنان والعراق: بين تأكيدات الدفاع ومخاوف السوريين


هذا الخبر بعنوان "كيف علق سوريون على التحشيد العسكري بالحدود مع لبنان؟" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٠ آذار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في ظل الاضطرابات الإقليمية المتصاعدة، عبر المواطن السوري أحمد الأيمن عن رغبة عميقة في أن تبقى بلاده بعيدة عن أي صراعات جديدة، مؤكداً أن “سوريا شبعت حروباً على مدى أكثر من عقد ونصف”. وأوضح الأيمن للجزيرة نت موقفه الواضح بضرورة أن “يبقى الجيش السوري بعيداً كل البعد عن الانخراط في هذه الصراعات الإقليمية”، مشدداً على أن “السوريين ليس لهم ناقة ولا جمل في هذا الصراع، فالحرب ليست حربهم ولا مصلحة لهم فيها”. ويرى أن المهمة الوحيدة للجيش تتمثل في حماية الحدود السورية فقط، سواء من جهة العراق أو لبنان، لمنع تسلل خلايا إرهابية أو مجموعات مسلحة قد تسعى إلى زعزعة الاستقرار الذي بدأ يتشكل ببطء في البلاد بعد سنوات طويلة من النزاع.
وأضاف الأيمن أن الشعب السوري لا يملك رفاهية خوض حرب جديدة، فمئات الآلاف من السوريين لا يزالون يعيشون في الخيام والمخيمات، يواجهون البرد والجوع والأمراض. ووفقاً له، يجب أن تكون الأولوية المطلقة لتحسين الأوضاع الاقتصادية وإعادة بناء ما تهدم من بنى تحتية.
من جانبها، أصدرت وزارة الدفاع السورية بياناً أوضحت فيه أن “انتشار وحدات من الجيش السوري على طول الحدود مع لبنان والعراق يأتي كإجراء وقائي ودفاعي بحت، يهدف إلى ضبط الحدود بشكل أفضل في ظل التطورات الإقليمية السريعة والمتصاعدة، خاصة مع استمرار الحرب على إيران وتداعياتها على الجوار”.
وفي سياق متصل، نقل مصدر مطلع للجزيرة نت -رفض الكشف عن هويته- تفاصيل لقاء حديث مع الرئيس أحمد الشرع، الذي أكد خلاله أن “دمشق لا تعتزم على الإطلاق التدخل في الشؤون الداخلية لأي دولة مجاورة، سواء كانت العراق أو لبنان”، وذلك رداً على تساؤلات متكررة حول إمكانية دخول قوات سورية إلى الأراضي اللبنانية. وأضاف الشرع أن جميع الاحتمالات تبقى واردة في ظل الظروف المتوترة في المنطقة، لكنه شدد -حسب المصدر نفسه- على أن سوريا لا ترغب في خوض أي صراع عسكري جديد في الوقت الراهن، وأن أولويتها القصوى تتمثل في تسريع وتيرة التنمية الاقتصادية، وإعادة الإعمار، وتحسين الخدمات الأساسية للمواطنين “الذين عانوا كثيراً”.
كما أفاد مصدر خاص في قوات الجيش السوري للجزيرة نت -فضل عدم الكشف عن اسمه- بأن هذا الانتشار العسكري يندرج ضمن إجراءات أمنية روتينية ومعتادة تقوم بها وحدات حرس الحدود، ولا يحمل أي دلالة على نية لدخول أراضٍ أجنبية أو شن عمليات هجومية. وأكد أن الهدف الرئيسي هو تعزيز الأمن في المناطق الحدودية، وحماية القرى والبلدات الواقعة على الشريط الحدودي، ومنع استغلال هذه المناطق من قبل شبكات التهريب المنظمة أو الجماعات الخارجة عن القانون التي ازدهرت في فترات الفوضى السابقة.
وتركز الوحدات المنتشرة مهامها -وفق المصدر الخاص- على أعمال الاستطلاع والمراقبة الدقيقة، وضبط حركة العبور غير النظامي عبر الحدود، ورصد أي نشاط مشبوه قد يشكل تهديداً أمنياً قبل أن يتطور إلى خطر حقيقي. وأشار إلى أن ضبط الحدود السورية بهذه الطريقة لا يخدم سوريا فحسب، بل يسهم أيضاً في دعم الاستقرار الإقليمي بشكل عام، ويحد من أي أنشطة قد تنعكس سلباً على أمن الدول المجاورة. وأكد أن ما يجري هو انتشار تنظيمي وإداري للقوات، وليس تصعيداً عسكرياً أو تحركاً عدائياً تجاه أي طرف، بل خطوة احترازية لتعزيز السيطرة على الحدود في ظل الظروف الراهنة غير المستقرة.
من جهته، أوضح المحلل السياسي والعسكري مصطفى الفرحات للجزيرة نت أن الحشود العسكرية قرب الحدود السورية اللبنانية تُقرأ كإجراء لتعزيز الجاهزية الدفاعية والسيطرة الميدانية على الشريط الحدودي. وأكد أن مثل هذا الانتشار يُعد أمراً طبيعياً ومتوقعاً في ظل الأوضاع غير المستقرة التي يشهدها الشرق الأوسط عموماً، خصوصاً مع تصاعد التوترات الإقليمية والحرب الدائرة التي أثرت على عدة دول. وأوضح أن “صواريخ غراد وكاتيوشا التي نُشرت تُصنف كمنظومات دعم ناري ميداني سريعة الاستجابة، تستخدم أساساً لتأمين القوات البرية وردع أي محاولات اختراق محتملة للحدود”. أما نشر قوات المشاة فيأتي لإحكام السيطرة الفعلية على الشريط الحدودي، ومنع حدوث أي فراغ أمني قد تستغله جهات غير نظامية أو جماعات مسلحة خارجة عن السيطرة.
وأشار الفرحات إلى الخصوصية الأمنية للحدود السورية مع لبنان، موضحاً أنها تتميز بتداخل جغرافي كبير وكثرة المعابر، بما في ذلك معابر غير رسمية عديدة استُخدمت تاريخياً لأغراض مختلفة. لذلك، فإن أي تحرك عسكري في هذه المنطقة يُفهم ضمن إطار ضبط الحدود وتعزيز الاستقرار الأمني خاصة في مرحلة تتسم بقدر كبير من الضبابية والغموض. وحول ما إن كان هذا الانتشار ينذر بتصعيد أم يندرج تحت الردع الوقائي، رجح الفرحات الاحتمال الثاني مبيناً أن الدول في أوقات التوتر الإقليمي ترفع عادة مستوى جاهزيتها العسكرية لمنع انتقال الفوضى أو الصراع إلى أراضيها.
أما الباحث في العلاقات الدولية محمد فواز فاعتبر -في حديثه للجزيرة نت- أن الحشود العسكرية السورية على الحدود مع لبنان يمكن فهمها في سياق التطورات الإقليمية الراهنة. وبرأيه، فإن هذه الإجراءات تبدو طبيعية جداً في البيئة الأمنية المحيطة بسوريا، التي لا تزال تنظر إلى بعض الأطراف كخصوم سابقين أو حاليين، مع إشارة إلى “تاريخ طويل من التوتر مع حزب الله وإسرائيل، رغم وجود بعض المفاوضات أو الاتصالات التي لا تعني بالضرورة تحولاً جذرياً في العلاقة”. وأضاف فواز أن ملف النزوح السوري يشكل عاملاً إضافياً مهماً يدفع السلطات إلى تعزيز إجراءاتها الأمنية على الحدود، خشية حدوث موجات نزوح جديدة قد تثقل كاهل الوضع الداخلي السوري “الهش”. كما أن التطورات الأمنية في إسرائيل أو لبنان قد تمتد تداعياتها إلى الداخل السوري بسهولة.
وأكد أن التصريحات الرسمية السورية المتكررة تصف هذه الحشود بأنها ذات طابع دفاعي بحت، وليست هجومية بأي شكل. وحول الموقف السوري من الشأن اللبناني، قال الباحث إن دمشق تبعث حتى الآن إشارات إيجابية واضحة تجاه الدولة اللبنانية، مفادها أنها لا تنوي أن تكون طرفاً عسكرياً مؤثراً في شأنها الداخلي خلال المرحلة الحالية. ويرى أن هذا الموقف يبعث الطمأنينة في لبنان الذي يعاني من ظروف سياسية وأمنية معقدة للغاية، خاصة في ظل الانقسام الداخلي بين الدولة الرسمية التي ترى حزب الله خارج الإطار العسكري الشرعي، وبين الواقع الميداني الذي يتمتع فيه الحزب بقاعدة شعبية ووجود عسكري قوي. وأكمل فواز أن دمشق تسعى للنأي بنفسها عن أي صراع داخلي لبناني، مع الحرص على إجراء اتصالات مستمرة مع أطراف لبنانية متعددة ومن خلفيات سياسية وطائفية مختلفة، بهدف شرح موقفها وتأكيد هذا التوجه. وبحسب تقديره، لا توجد حتى الآن أي مؤشرات موثوقة على وجود تدخل سوري مباشر في الحرب الجارية في لبنان.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة