الديمقراطية في سوريا: جدل الجاهزية وتاريخ التجربة المنسية


هذا الخبر بعنوان "التجربة المُغيبة.. هل الشعب السوري جاهز للديمقراطية؟" نشر أولاً على موقع snacksyrian وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٢ آذار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
لطالما برزت في سوريا أصوات تدّعي أن الشعب السوري غير جاهز للديمقراطية، مستخدمةً هذه الذريعة للرد على الدعوات المطالبة بنظام ديمقراطي حر يحتكم إلى صوت الناس وآرائهم. هذه الحجة ليست بجديدة، فقد ظهرت نسختها الأولى منذ عام 2011، عندما رفع المتظاهرون شعار الحرية في وجه النظام. حينها، سارع مناصرو النظام ومؤيدوه إلى استخدام عبارات مثل "هذا الشعب لا تليق به الحرية" و"لسنا جاهزين للديمقراطية"، مدعّمين ذلك بنظريات تفيد بأن الدول الديمقراطية تمتلك شعوباً ذات وعي عالٍ، على عكس بلادنا التي "ابتلى الله أنظمتها بشعب لا يمتلك الوعي الكافي ليستحق الحرية والديمقراطية".
المفارقة أن هذه النظريات عادت للظهور اليوم بعد سقوط النظام في 8 كانون الأول 2024، مع إضافة جديدة من أحد أنصار السلطة الحالية الذي دعا إلى إقامة نظام حكم ملكي بدلاً من الجمهورية. تزامنت هذه الدعوات مع حملة تشكيك وتخوين ضد دعاة الديمقراطية، ومع "التبرير الجاهز" للانفراد باتخاذ القرار، بحجة أن البلاد تمر بمرحلة انتقالية وتفتقر إلى الاستقرار اللازم لإجراء انتخابات أو لتشكيل حكومة جامعة.
إن الإجابة على هذا السؤال تكمن في رفضه من الأساس، فهو سؤال غير جائز لما فيه من تحقير لقيمة الشعب السوري. من حيث المبدأ، لا يوجد شعب تليق به الديمقراطية وآخر لا تليق به أو لا يستحقها. كما لا يوجد شعب واعٍ ومثقف يستحق الحرية وحق اتخاذ القرار، وشعب جاهل وطائش يحتاج لمن يقوده ويرشده وعليه الطاعة لأنه "قاصر" ولا يعرف أين تكمن مصلحته.
الشعب السوري، شأنه شأن أي شعب آخر، يضم المثقفين والمتعلمين والأكاديميين والأطباء والعمال والفلاحين، ويضم النساء والرجال والشباب والشيوخ، كما يضم اللصوص والفاسدين والقتلة والمحتالين. لا يوجد شعب نقي 100% من الجهل والجريمة، ولا يحمل كل أفراده شهادة دكتوراه، ولا يجب أن يكون كذلك حتى ينال حرية التعبير عن رأيه. يحمل هذا السؤال عنصرية مباشرة، تضع شروطاً على الشعوب لتحديد استحقاقها للديمقراطية، بينما تفترض دولة المواطنة أن أي إنسان يحمل جنسية البلد هو مواطن كامل الحقوق، وله الحق في الاختيار والتصويت دون النظر إلى طبيعة عمله أو طبقته الاجتماعية أو مكانته أو شهادته العلمية. يكفيه أنه سوري ليملك الحق في اختيار ممثليه ونظام الحكم.
من جانب آخر، فإن ستة عقود من العيش تحت استبداد حزب البعث لن تمحو التاريخ الذي سبقها. فقد عاشت سوريا فترة يصفها البعض بالعصر الذهبي لتاريخ سوريا الحديث بين عامي 1954 و1958، حيث انتعشت الحياة السياسية وأصبحت الديمقراطية واقعاً ملموساً. شارك السوريون في الانتخابات البرلمانية عام 1954، التي تُعد أهم مثال ديمقراطي في تاريخ سوريا السياسي، إذ جمعت تحت قبة البرلمان مختلف الأطياف السياسية السورية، من "الإخوان المسلمين" في أقصى اليمين إلى الحزب الشيوعي في أقصى اليسار، وما بينهما من حزب الشعب والبعث والحزب الوطني والمستقلين.
كما شهد عام 1955 تسليم الرئيس هاشم الأتاسي سلطاته الدستورية للرئيس المنتخب شكري القوتلي تحت قبة البرلمان، في عملية ديمقراطية راقية لم تشبها دماء أو عنف أو تشبث بالسلطة، بل كانت تسليماً سلساً لنتائج الانتخابات.
بعد سقوط نظام الأسد في 8 كانون الأول 2024، كان من المتوقع أن يصبح أحمد الشرع رئيساً مؤقتاً، بحكم قيادته لعمليات "ردع العدوان" التي أسقطت النظام بعد 14 عاماً من انطلاق الثورة. ورغم أن إعلان "الشرع" رئيساً تم في مؤتمر حضره قادة الفصائل العسكرية فقط وغاب عنه أي تمثيل سياسي أو مدني، إلا أن المرحلة التالية شهدت إقرار الإعلان الدستوري دون مشاورات، ونصّ على طريقة لتشكيل مجلس الشعب دون انتخابات عامة.
جاءت هذه الإجراءات تحت ذرائع مفهومة مثل عدم إحكام السلطة في دمشق سيطرتها على كامل الجغرافيا السورية، وتعذّر إجراء الانتخابات بدون إحصاء للسكان ووجود أعداد كبيرة من النازحين داخلياً الذين فقدوا ثبوتياتهم، ووجود ملايين السوريين في الخارج، وصعوبة ضمان الوضع الأمني لإتمام العملية الانتخابية. ولكن، وإن تقبّل السوريون هذا التبرير لعدم إجراء انتخابات برلمانية، فما السبب وراء عدم إجراء انتخابات على مستويات أصغر واللجوء إلى الديمقراطية كوسيلة تمنح المواطنين حق اختيار ممثليهم؟
فعلى مستوى الإدارة المحلية، تم اللجوء إلى التعيينات القادمة من العاصمة لاختيار مجالس المحافظات والمدن والبلديات وحتى القرى، مما منع الناس من اختيار ممثليهم على المستوى المحلي. كما غابت الانتخابات في الدوائر الأصغر مثل النقابات والاتحادات، رغم إمكانية إجرائها بكل سهولة داخل قاعة واحدة يمكن للنقابيين من خلالها اختيار ممثليهم. لكن التعيينات كانت الخيار الأسهل والأوضح لدى السلطة المركزية التي اختارت مجالس إدارات النقابات المركزية وفروعها في المحافظات دون رجوع لرأي النقابيين.
في نهاية المطاف، فإن الديمقراطية حق غير مشروط، وهو حق يستحقه السوريون بعد نضالهم في وجه نظام مستبد ورفعهم شعار الحرية كأول مطلب دفعهم للثورة على النظام. إنها تمكنهم من التعبير عن أنفسهم وآرائهم واختيار ممثليهم والمشاركة في صناعة القرار، دون خوف أو قمع أو عنف. (سناك سوري _ محمد العمر، بلال سليطين)
سياسة
سياسة
اقتصاد
سياسة