السوريون في أوروبا: تجربة الدولة المدنية بين الواقع والمفاهيم الخاطئة في الوطن


هذا الخبر بعنوان "الدولة المدنية التي يعيشها ويريدها السوريون في أوروبا" نشر أولاً على موقع snacksyrian وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٢ آذار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في مقهى صغير بمدينة أوروبية، بدأت صديقتي تشتكي من مخالفة مرورية تلقتها قبل أيام، قائلة بضيق: "تخيلي الشرطة خالفتني لأني قطعت الإشارة!". ضحكتُ وسألتها: "ماذا كنتِ تتوقعين؟"، فأجابت بسرعة: "كنت أحاول أن أخبره أنني مستعجلة". ابتسمتُ وأخبرتها: "لن يستمع إليكِ، لأنكِ ببساطة خالفتِ القانون". (سناك سوري-رحاب تامر)
عادت صديقتي لتسأل: "يا ليتني وزيرة ولا أحد يجرؤ على محاسبتي، لكنني سورية وفوقها امرأة، لن يسلموني منصباً". ضحكتُ مجدداً وأجبتها: "يمكنكِ استلام الوزارة حتى لو كنتِ سورية وامرأة، لكن من المستحيل أن تهربي من المخالفة حتى لو كنتِ وزيرة".
هذه المحادثة تختصر جوهر فكرة الدولة المدنية، فهي ببساطة دولة تدار بالقانون والمؤسسات، لا بسلطة دينية أو عسكرية. وفيها يُنظر إلى الناس كمواطنين متساوين أمام القانون، لا كأبناء طوائف أو عائلات أو جماعات مختلفة. ورغم بساطة الفكرة، ما يزال مصطلح الدولة المدنية يثير جدلاً واسعاً في النقاشات داخل سوريا، حيث يعتقد البعض أنها تعني دولة "ضد الدين" أو تمنع الناس من ممارسة معتقداتهم.
لكن الواقع مختلف تماماً. عادت صديقتي لتسألني: "هل تصلين في المسجد هنا؟" فأجبت: "نعم طبعاً". سألت: "هل منعكِ أحد؟" فأجبت: "لا، فنحن نعيش في دولة مدنية!". فالدولة المدنية لا تمنع الدين، لكنها أيضاً لا تحكم باسم دين معين. إنها ببساطة دولة ينظمها القانون، ويستطيع فيها الناس ممارسة معتقداتهم المختلفة دون خوف أو تمييز.
وبحسب المختصين، تقوم الدولة المدنية على مجموعة من المبادئ الأساسية. فهي أولاً دولة تعبر عن إرادة المجتمع، أي أن السلطة فيها تستمد شرعيتها من الناس. سألت صديقتي: "يعني كيف الناس هي التي تختار؟" فأجبت: "ببساطة بالانتخابات، إذا لم يعجبك الحزب الحاكم، تصوّتِ لغيره". سألت: "يعني لا توجد نتائج 95% هنا؟" فأجبت: "لا، هنا ممكن أن يخسر الحزب ويترك الحكم ويرحل".
إلى جانب ذلك، تعتبر الدولة المدنية دولة قانون يخضع له الجميع، من المواطن العادي إلى أعلى المسؤولين. وتقوم على نظام يضمن الحريات العامة ويقبل التعددية وحق الاختلاف، ففي المدينة الواحدة قد يعيش أشخاص بآراء سياسية مختلفة أو معتقدات دينية متعددة، وكل منهم قادر على التعبير عن رأيه أو ممارسة شعائره دون خوف. سألت صديقتي: "يعني ممكن أن يكون رأي أحدهم السياسي ضد الحكومة بشكل عادي؟" فأجبت: "طبعاً، طالما لم يخالف القانون".
وفي الدولة المدنية، تصبح المواطنة هي الأساس في الحقوق والواجبات. فحين يتقدم شخص لوظيفة في مؤسسة عامة، لا يُسأل عن طائفته أو عائلته، بل عن مؤهلاته وكفاءته، لأن حقه في العمل مرتبط بكونه مواطناً. أما المبدأ الأخير فهو الالتزام بالديمقراطية والتداول السلمي للسلطة، بحيث تتغير الحكومات عبر الانتخابات لا عبر القوة.
جوهر الدولة المدنية يقوم أيضاً على فكرة مهمة تتعلق بالقانون نفسه، فالقانون في هذه الدولة هو قانون يضعه البشر ويمكن مراجعته وتعديله مع مرور الزمن. فالدستور مثلاً يكتبه مختصون في القانون والسياسة وحقوق الإنسان، وقد يكون هؤلاء من خلفيات دينية مختلفة، مسلمين أو مسيحيين أو غير ذلك، بحسب طبيعة المجتمع الذي ينتمون إليه. المهم في النهاية أن القانون ليس مقدساً وغير قابل للنقد، بل يمكن تعديله إذا تغيرت ظروف المجتمع.
سألت صديقتي: "يعني كل هذا الذي نعيشه هنا اسمه دولة مدنية؟" فأجبت: "نعم". قالت: "طلعت حلوة جداً الدولة المدنية، لكن لماذا عندنا في سوريا يقولون إنها دولة كفر وإلحاد وتفكك للمجتمع؟".
في الحقيقة، هذه هي المفارقة التي يلاحظها كثيرون، فمئات آلاف السوريين يعيشون اليوم في دول أوروبية مثل ألمانيا والسويد وهولندا وفرنسا، وهي كلها دول مدنية. في هذه الدول تمكّن السوريون من العمل والدراسة والحصول على الرعاية الصحية وتأسيس مشاريعهم الخاصة، إضافة إلى ممارسة شعائرهم الدينية بحرية. ولو لم تكن هذه الدول قائمة على مبدأ المواطنة والقانون، لما كان من الممكن ضمان هذه الحقوق أصلاً.
وتظهر أهمية الدولة المدنية أيضاً في طريقة تنظيم العلاقات داخل المجتمع، بما في ذلك داخل الأسرة نفسها. ففيها يحصل الرجال والنساء على حقوق متساوية في التعليم والعمل والمشاركة العامة. وفي كثير من الأحيان تعمل الزوجة والزوج معاً لتأمين مصروف الأسرة، دون أن يُنظر إلى ذلك باعتباره انتقاصاً من دور الرجل، بل يُنظر إليه كنوع من التعاون الطبيعي بين شخصين يتشاركان مسؤوليات الحياة.
في النهاية، لا تعني الدولة المدنية دولة بلا دين أو بلا قيم، بل تعني ببساطة دولة تنظم حياة الناس بالقانون وتساوي بينهم كمواطنين. وربما لهذا السبب يستطيع كثير من السوريين العيش والاندماج في دول مدنية اليوم، بينما يبقى النقاش حول هذا المفهوم في بلدهم محاطاً بالكثير من الالتباس وسوء الفهم.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة