الاستثمار الصيني في نفط سوريا: صمود الشركات رغم المخاطر وتساؤلات حول طلب الانسحاب المحتمل


هذا الخبر بعنوان "الشركات الصينية والنفط الصيني في سوريا: قرار البقاء رغم الخطر.. اقتصاد أم سياسة؟" نشر أولاً على موقع zamanalwsl وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٢ آذار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في مشهد يتناقض مع سلوك معظم الشركات العالمية، تبرز تجربة الشركات الصينية العاملة في قطاع النفط السوري كحالة فريدة. فبينما أعلنت شركات عالمية وإقليمية متتالية حالة "القوة القاهرة" مع خروج حقول النفط عن سيطرة نظام الأسد منذ عام 2011، اتخذت شركتان صينيتان عملاقتان مساراً مختلفاً، مواصلتين عملهما في مناطق وُصفت بالخطيرة. يكشف قرارهما عن أبعاد تتجاوز الجدوى الاقتصادية المباشرة إلى حسابات جيوسياسية كبرى.
في خضم الثورة السورية التي اندلعت عام 2011، كان قطاع الطاقة من أكثر القطاعات تضرراً، حيث خرجت معظم الحقول عن سيطرة الأسد، وتوقفت عقود الاستثمار، وانسحبت شركات كبرى مثل "شل" و"توتال". لكن المفارقة تجلت في موقف شركتين صينيتين: شركة "إس آي بي سي" (SIPC) التي انتهى عقدها في عام 2024، وشركة "سي إن بي سي" (CNPC) التي من المقرر أن ينتهي عقدها في عام 2027. تشير المعلومات إلى أن الأخيرة طلبت مؤخراً الانسحاب من سوريا، في تطور لافت يثير تساؤلات حول مستقبل الاستثمار الصيني هناك.
بينما سارعت شركات أجنبية وعربية لإعلان "القوة القاهرة" - وهو بند تعاقدي يُعفى الطرف من التزاماته بسبب ظروف استثنائية خارجة عن إرادته - تمسكت الشركتان الصينيتان بعقودهما التطويرية. فحتى عندما كانت حقول النفط التي تعملان فيها خارج سيطرة الأسد، حافظتا على مكاتبهما التمثيلية وواصلتا العمل، أو على الأقل أبقيا على تمثيلهما قائماً. يعكس هذا القرار نهجاً صينياً طويل الأمد لا يتعامل مع سوريا كسوق عابر، بل كحلقة استراتيجية في سلسلة مشاريعها الكبرى، مثل مبادرة "الحزام والطريق"، حيث يتم فصل المصالح الاقتصادية الكبرى عن التقلبات الأمنية والسياسية المؤقتة.
لفهم أهمية القرار الصيني، يجب أولاً معرفة أين تتمركز استثماراتها. وفقاً للتقارير المتاحة، فإن النشاط الصيني لم يقتصر على منطقة واحدة، بل امتد ليشمل حقولاً في شرق البلاد وغربها، إلا أن المصير كان مختلفاً:
تشير التقديرات إلى أن قطاع النفط السوري كان ينتج قبل عام 2011 نحو 400 ألف برميل يومياً، لكنه تراجع إلى حدود 100-120 ألف برميل يومياً فقط في السنوات الأخيرة. وبينما لا تتوفر أرقام دقيقة لحصة الشركات الصينية من هذا الإنتاج، فإن وجودها في حقول رئيسية يعني أن خسائرها المالية نتيجة النهب والتوقف كانت كبيرة جداً. تقارير غير مؤكدة أشارت إلى أن خسائر الشركة الوطنية الصينية (CNPC) في حقلي "عودة" و"تشرين" وحدهما قد تقترب من 170 مليون دولار نتيجة عمليات النهب التي طالت المعدات والبنية التحتية. ومع ذلك، يبدو أن هذه الخسائر لم تكن كافية لدفع الشركات إلى الانسحاب الفوري، بل فضلت البقاء وحماية أصولها واستثماراتها الطويلة الأجل. فالشركات الصينية تنظر إلى سوريا كسوق واعدة ليس فقط للنفط، بل لإعادة الإعمار والبنية التحتية والاتصالات في المستقبل.
مع سيطرة الحكومة السورية الجديدة على معظم حقول الشمال الشرقي في مطلع عام 2026، وإعلان وزير الطاقة السوري عن خطط طموحة لزيادة الإنتاج وإعادة تأهيل الحقول بالتعاون مع شركات عالمية، يبرز سؤال ملح: لماذا تطلب شركة "سي إن بي سي" الانسحاب الآن، بينما بدأت الأوضاع الأمنية تستقر لصالح الحكومة؟ هنا يتداخل الاقتصادي بالسياسي:
قرار الشركات الصينية بعدم إعلان القوة القاهرة خلال سنوات الحرب كان قراراً سياسياً بامتياز، عكس رغبة بكين في لعب دور طويل الأمد في سوريا وحماية استثماراتها الاستراتيجية. أما طلب الانسحاب المحتمل الآن، فيحمل بعداً اقتصادياً وسياسياً معاً، حيث تدرس الشركات جدوى استثماراتها في ظل خريطة تنافس جديدة ومعالم نظام دولي مختلف في مرحلة إعادة الإعمار. الأيام المقبلة ستكشف ما إذا كانت الصين ستتمكن من التكيف مع الواقع الجديد في سوريا، أم أن حقول النفط السورية ستشهد تحولاً في الشريك الاستراتيجي من الشرق إلى الغرب والخليج. (زمان الوصل)
اقتصاد
اقتصاد
سوريا محلي
اقتصاد