سوريا الجديدة: استراتيجية النأي بالنفس عن صراعات المنطقة ودورها المحوري في الاستقرار الإقليمي


هذا الخبر بعنوان "لماذا تنأى سوريا بنفسها عن الانخراط في الصراع الدائر في المنطقة؟" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٢ آذار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في خضم الحرب المشتعلة في إيران، يشهد الشرق الأوسط اضطرابًا إقليميًا متعدد الأوجه، لا تقتصر تداعياته على الأطراف الرئيسية كـالولايات المتحدة و"إسرائيل" وإيران، بل يمتد ليشمل ساحات أخرى مرتبطة بالتوازنات الجيوسياسية، ومنها سوريا. تُعد سوريا، بحسب راغب العطيه، من الدول الأكثر حساسية تجاه هذه التطورات، خاصة في ظل التغيير الشامل الذي شهدته البلاد منذ سقوط النظام السابق، الذي كان حليفًا رئيسيًا لطهران ضمن ما يُعرف بـ"محور المقاومة".
أمام هذا الوضع الإقليمي الخطير وتداعيات الحرب الدائرة على تخوم الدول العربية، يبرز تساؤل حول كيفية تعامل سوريا الجديدة مع هذا المشهد الحساس، وكيفية نأيها بنفسها عن الانخراط في الصراعات الجانبية. تركز دمشق بالدرجة الأولى على ترتيب بيتها الداخلي، بعد أن تبنت، خلال أكثر من عام على التحرير، سياسة دولية متوازنة بعيدة عن الاستقطابات والمحاور، وقد أثمرت هذه السياسة عن رفع العقوبات الغربية عن سوريا بشكل كامل.
في هذا السياق، صرح السيد الرئيس أحمد الشرع خلال اجتماع عبر تقنية الفيديو مع عدد من قادة دول الشرق الأوسط أمس الأول الاثنين، بأن سوريا، الواقعة على مفترق جغرافي بين ثلاث جبهات مشتعلة، تتعرض لتداعيات مباشرة وخطيرة نتيجة هذه التطورات، مؤكدًا أن استقرار سوريا هو حجر الزاوية لاستقرار المشرق العربي والمنطقة ككل.
وأوضح الرئيس الشرع خلال الاجتماع، الذي شارك فيه رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا، ورئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، وقادة السعودية والإمارات والأردن ومصر والبحرين ولبنان والعراق وقطر والكويت وسلطنة عمان وتركيا وأرمينيا، أن التصعيد الراهن يمثل تهديدًا وجوديًا للمنطقة بأسرها. فإغلاق مضيق هرمز، والضربات على البنية التحتية للطاقة في الخليج، يهددان الاستقرار الاقتصادي العالمي.
كما أدان الرئيس الشرع بأشد العبارات ما وصفه بالمحاولات الإيرانية المستمرة لزعزعة استقرار العواصم العربية، والتدخلات التي تمس صلب الأمن القومي العربي، مجددًا موقف سوريا الثابت في إدانة جميع أشكال الاعتداءات التي تطال السيادة العربية. وفي سياق تنسيق المواقف مع دول المنطقة، أضاف الرئيس الشرع أن سوريا عززت قواتها الدفاعية على الحدود احترازيًا لمنع نقل تداعيات الصراع إلى الأراضي السورية، ومكافحة التنظيمات العابرة للحدود، ومنعها من استخدام الأراضي السورية. وأعرب عن دعم سوريا للخطوات الجادة والحاسمة التي تتخذها حكومتا العراق ولبنان لإبعاد الخطر عن بلديهما، ومنع أي انزلاق باتجاه الصراع، والوقوف إلى جانب الرئيس اللبناني جوزاف عون في نزع سلاح حزب الله.
منذ سقوط نظام الأسد في 8 كانون الأول 2024، اعتمدت سوريا سياسة خارجية متوازنة، وتعاملت بانفتاح كامل على الغرب، وخاصة الولايات المتحدة الأميركية، دون أن تقطع الطريق مع روسيا الاتحادية، الحليف السابق للنظام المخلوع. وقد سجلت الدبلوماسية السورية خلال العام الماضي خطوات مهمة على صعيد بناء العلاقات السياسية بين سوريا والعديد من دول العالم، وأهمها الولايات المتحدة التي أعلن رئيسها دونالد ترامب، من قلب الرياض في أيار الماضي، قراره برفع العقوبات عن سوريا، وذلك لإعطائها فرصة لبناء نفسها، بحسب كلامه حينها، وهو ما زال يجدد في كل مناسبة تأكيده ضرورة إعطاء سوريا هذه الفرصة.
لقد جعل الموقع الجغرافي لسوريا أراضيها، وخاصة في الجنوب، عرضة لسقوط بعض الأجسام الحربية الإيرانية نتيجة اعتراضها من الدفاعات "الإسرائيلية". كما سجلت الأيام الماضية من الحرب استهداف إيران لعدد من الدول العربية والإقليمية بعدد من الصواريخ والمسيّرات، تحت زعم أنها تستهدف المصالح والقواعد الأميركية في هذه الدول. إلا أن الواقع أثبت غير ذلك، من خلال استهداف أهداف مدنية ومصالح اقتصادية في السعودية والكويت والبحرين وقطر والإمارات والأردن وسلطنة عمان، منها مراكز للطاقة ومطارات وموانئ ومبان مختلفة. كما طالت استهدافات إيران وأذرعها في المنطقة تركيا وأذربيجان، ولم يغب بلد في المنطقة تقريبًا عن تأثيرات المواجهة التي اندلعت في 28 شباط الماضي، وما زالت في تصاعد.
وبحسب بيانات رسمية عربية، بلغ عدد المسيّرات والصواريخ الإيرانية التي استهدفت الدول العربية، في الأسبوع الأول فقط من الحرب، وأسقطتها الدفاعات الجوية في هذه الدول، أكثر من 2756 صاروخًا وطائرة مسيّرة إيرانية، إضافة إلى طائرتين مقاتلتين. وكانت الإمارات الأكثر تعرضًا للهجمات، تلتها الكويت، ثم البحرين، فقطر، فالأردن، فالسعودية، فيما سجلت سلطنة عمان أقل عدد من الهجمات بنحو 8 طائرات مسيّرة، بحسب وكالة "الأناضول" التركية. وقد أدت هذه الاعتداءات الإيرانية السافرة على الدول العربية والإقليمية إلى وفاة وإصابة العشرات من المدنيين الآمنين، في الوقت الذي أكدت فيه القوات المسلحة في هذه الدول جهوزيتها للتعامل مع أي تهديدات مستقبلية.
يرى العديد من المراقبين أن سوريا لن تكون بمنأى عن تأثيرات الحرب في إيران، كما هو حال المنطقة كاملة، وذلك بحكم موقعها الجيوسياسي، إذ إن الغارات الجوية المنطلقة من "إسرائيل" باتجاه إيران، والصواريخ الإيرانية المتجهة إلى "إسرائيل"، تمر فوق الأجواء السورية. وبالفعل سجلت الأيام الماضية من الحرب سقوط حطام للصواريخ الإيرانية في المسيفرة ونوى ودير العدس وإنخل وصنع الحمام وشبرق، وسقوط مسيّرة في العجمي بدرعا، وكذلك في مدينة السلام وقرى الرفيد والحيران بالقنيطرة، كما تساقطت شظايا في محيط بيت جن وصيدنايا وعين ترما بريف دمشق، وفي ريف القامشلي ورميلان بالحسكة، كما تم تسجيل سقوط مقذوف في قرية الفتيح بريف جبلة في محافظة اللاذقية.
وقد أدانت سوريا بشدة الاعتداءات الإيرانية التي طالت سيادة وأمن كل من المملكة العربية السعودية، ودولة الإمارات العربية المتحدة، ومملكة البحرين، ودولة قطر، ودولة الكويت، والمملكة الأردنية الهاشمية. وقالت وزارة الخارجية والمغتربين في بيان لها في 28 شباط الماضي: إن الجمهورية العربية السورية، إذ تعرب عن تضامنها الكامل مع الدول الشقيقة التي تعرضت لهذه الاعتداءات الغاشمة، تؤكد رفضها القاطع لأي تهديدات لأمن واستقرار هذه الدول، وتدعو إلى ضرورة احترام سيادتها وسلامة أراضيها. وأضافت الوزارة في بيانها: تؤكد سوريا مواصلة دعمها الكامل لجميع الجهود الرامية إلى تعزيز الحوار والدبلوماسية والحلول السلمية لمعالجة قضايا المنطقة، وضمان الأمن والاستقرار لشعوبها كافة.
وكان الرئيس الشرع قد أجرى، في اليوم الثاني للحرب، سلسلة اتصالات هاتفية مع عدد من القادة والمسؤولين العرب، تناولت التطورات الأخيرة في المنطقة، في ظل التصعيد المتسارع وانعكاساته على الأمن والاستقرار الإقليمي. كما بحث الرئيس الشرع خلال اتصال هاتفي مع صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان آل سعود، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء في المملكة العربية السعودية، مستجدات الأوضاع في المنطقة، بما في ذلك القصف الإيراني وتداعياته المحتملة، مؤكدًا حرص سوريا على تعزيز التضامن العربي وتكثيف التنسيق المشترك لمواجهة التحديات الراهنة، وعلى وقوفها إلى جانب المملكة قيادة وشعبًا، ورفضها القاطع لأي انتهاك لسيادة الدول العربية أو المساس بأمنها واستقرارها.
في السياق ذاته، أجرى الرئيس الشرع عدة اتصالات هاتفية مع رؤساء وقادة المنطقة، جرى خلالها بحث التصعيد بين الولايات المتحدة و"إسرائيل" وإيران، وانعكاساته على أمن المنطقة واستقرارها. وأكد الرئيس دعم سوريا الكامل وتضامنها مع الدول العربية، معتبرًا أن الاعتداءات الإيرانية على الدول العربية تمثل تهديدًا خطيرًا لأمن المنطقة واستقرارها، ومجددًا رفض دمشق أي مساس بسيادة الدول العربية.
يرى الباحث في الشؤون السياسية، المهندس باسل كويفي، أن نأي سوريا بنفسها عن الصراع القائم في المنطقة يستوجب طرح رؤية دقيقة تعكس فهمًا عميقًا للتحدي الجيوستراتيجي الذي تواجهه سوريا الجديدة في هذه المرحلة المهمة من تاريخها. ويوضح كويفي كيف تقنع دمشق واشنطن بأن دعم الدولة السورية الناشئة هو استثمار في الاستقرار الإقليمي، وليس مجرد ورقة في صراعاتها مع طهران، وأن النجاح في هذا المسار الدقيق لا يعتمد على الخطاب فقط، بل على ترجمة الأولويات إلى حقائق ملموسة على الأرض، وإلى لغة مصالح تفهمها واشنطن، وهذا هو جوهر السياسة الخارجية المتوازنة التي تنتهجها دمشق اليوم.
واستنادًا إلى معطيات راهنة تتمحور حول ترسيخ مبدأ "الاستقرار أولًا" كورقة رابحة للجميع، تعمل دمشق على تقديم رؤيتها لواشنطن على أساس أن الفوضى وعدم الاستقرار هما العدو المشترك أيضًا، وأن استباقية بناء مؤسسات الدولة ومكافحة الإرهاب هي الضمانة الحقيقية لمنع عودة تنظيم "داعش" أو غيره، وهو ما يخدم الأمن القومي السوري والإقليمي والأميركي بشكل مباشر بعد الانضمام الفعلي لسوريا إلى التحالف الدولي.
وأوضح كويفي، في حديث مع صحيفة "الثورة السورية"، أن تقاطع المصالح المشتركة يمكن أن يشير إلى نجاح المشروع الوطني السوري في توحيد الجغرافيا السورية، من خلال إنهاء نفوذ المشاريع الطائفية والانفصالية، وتقليص النفوذ الإيراني وامتداداته في المنطقة بشكل طبيعي. الأمر الذي يقود إلى شراكة أمنية بين سوريا والولايات المتحدة الأميركية اعتمادًا على مصالحها مع دمشق، وأن الدولة الموحدة القوية هي القادرة وحدها على ضبط حدودها مع الجوار ومنع استخدام الأراضي السورية في عودة الإرهاب أو تحويلها إلى منصات لتهديد الآخرين، وعليه تقدم دمشق لواشنطن والمنطقة "النصر" بطريقة أخرى.
ويقرأ بعض المحللين تسريع الولايات المتحدة سحب قواتها وقواعدها العسكرية من سوريا، وفك الارتباط مع قسد، وتسليم ملف "داعش" للدولة السورية، على أنه إقرار من جانب واشنطن بضرورة عدم توفير أي حجة لإيران لاستهداف سوريا بحجة ضرب القواعد الأميركية. وهذا، إن دل على شيء، فإنه يدل على القناعة الأميركية بضرورة تركيز الدولة السورية على عملية إعادة البناء والإعمار والنهوض بالبلاد بما يحقق الأمن والاستقرار سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا، باعتبار أن الاستقرار في سوريا يمثل حجر الزاوية في الاستقرار الإقليمي.
وقال كويفي: إن السياسة الخارجية المتوازنة التي انتهجتها الحكومة السورية أدت إلى قطع الخطوط الإيرانية باتجاه لبنان، وفقدان طهران نفوذها العسكري وتمددها في سوريا وعبرها. وهذا إنجاز استراتيجي تحقق بالوسائل السياسية والعسكرية السيادية، وبالتالي لدى دمشق أوراق ضغط حقيقية، أبرزها شرعيتها الجديدة وقدرتها على تحقيق الإنجازات، حيث نجحت في تأمين انسحاب روسي من بعض النقاط الحساسة وموافقة ضمنية على عملياتها المحسوبة. كما يمكنها ربط أي تعاون مستقبلي، خاصة في الملفات الأمنية والسيادية، بضرورة رفع العقوبات بشكل كامل، لأن العقوبات تعيق تحقيق "الاستقرار الداخلي" الذي تدعو إليه واشنطن نظريًا حتى الآن، مؤكدًا أن استمرار دمشق في هذا النهج العملي والبراغماتي هو الضامن الوحيد لجعل الاستقرار الداخلي السوري أولوية لا يمكن للغرب ودول المنطقة والعالم تجاوزها.
وأضاف الباحث السياسي: لقد كانت سوريا، خلال الأعوام الأربعة عشر الماضية، الساحة الرئيسية لصراع القوى الإقليمية والدولية بشكل مباشر أو بالوكالة، عبر فائض قوة للضغط والتدخل وتحريك ملفات خارج حدودها، معتبرًا أن المشهد اليوم تحول بشكل كبير، وانتقل مركز الصراع من سوريا إلى إيران. وتتجلى هنا فرصة كبيرة لسوريا الجديدة في "الحياد الإيجابي" مع الدعم السياسي اللامحدود من دول الخليج العربي والأردن، والحفاظ على مسافة من جميع الأطراف في مرحلة إعادة تشكيل خارطة جيوسياسية في المنطقة والعالم. وبينما يسعى المتحاربون إلى توسيع ساحة مناوراتهم، تسعى دمشق إلى تأكيد استقلاليتها وتوسيع خياراتها على المستوى الإقليمي، والتحوط لسيناريوهات الحرب المحتملة.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة