النقد في سوريا: أداة السلطة لتقييد الحريات وتجنب المساءلة بمعايير فضفاضة


هذا الخبر بعنوان "النقد البنّاء والهدّام في سوريا .. معايير مطاطية لتجنّب المساءلة وتقييد الحريات" نشر أولاً على موقع snacksyrian وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٤ آذار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
يعتمد المسؤولون الحكوميون في سوريا صيغة شبه موحدة عند تناولهم للأصوات الناقدة لأداء السلطة، تتمحور حول الترحيب بـ"النقد البنّاء" ورفض "النقد الهدّام". يستدلون بذلك على انفتاحهم المزعوم تجاه "حرية التعبير"، على الرغم من أن وضع شروط على "النقد" هو أول ما يقيّد هذه الحرية.
لا تبدو هذه الصيغة في تصنيف "النقد" وليدة صدفة، بل هي وسيلة مضمونة لتحريف النقاش على طريقة "المغالطات المنطقية". فبدلاً من أن يرد المسؤول على مضمون النقد بالحجة والمنطق والأدلة، يتجه بدايةً إلى التشكيك بنوايا صاحب الرأي الناقد، ويعتبر أن هدفه هو التهديم. يتحول الحديث بذلك إلى مناقشة هوية الناقد ومن يقف خلفه وهدفه من هذا النقد، لينجو المسؤول من الرد الصريح والمباشر، كما يوضح محمد العمر في "سناك سوري".
في سياق متصل، صرّح الرئيس السوري الانتقالي "أحمد الشرع" في مقابلة عبر قناة "الإخبارية السورية" الرسمية، أن سقف الحرية واسع في سوريا، وأن وجود أصوات ناقدة يمثل حالة صحية وسليمة. وأضاف: «أقرأ من ينتقدني والمهم أن يكون النقد صحيحاً ومنبّهاً حتى لو كان جارحاً، وفي بعض الأحيان النقد يدل على أن الجمهور لا يفهم سياسة الدولة فتحتاج الدولة لتوضيح هذه السياسات».
من جانبه، ذكر محافظ "دمشق" "ماهر مروان إدلبي" أن المحافظة تتقبل النقد والنصح البنّاء، ولكن في موضعه الصحيح ومضمونه القانوني السليم، على حد تعبيره.
لكن وضع شروط على النقد بأن يكون "بنّاءً" لا يقترن بمعيار واضح يحدد تصنيف نوعية النقد لتمييز ما هو "بنّاء" عمّا هو "هدّام"، باستثناء تحليل النوايا. فمن وجهة نظر السلطة، يمكن القول إن هذا الشخص يوجه انتقاداته بنية سيئة فهو هدّام، أما النقد المقبول فهو من أصحاب النوايا الحسنة.
المفارقة في هذه المسألة أن "بشار الأسد" استفاض في شرح الفوارق بين النقد البنّاء والهدّام منذ أول خطاب له عام 2000، المعروف بـ"خطاب القسم". حيث قال إن النقد يجب أن يكون بنّاءً وموضوعياً من خلال النظر إلى الإيجابيات وليس السلبيات فقط، معتبراً أن هناك نقداً يهدف للاستعطاف وإثارة التصفيق أو بهدف الاستفزاز والإساءة للآخرين.
عاشت هذه النظرية طويلاً واستمرت حتى اليوم، حيث لا زلنا نسمع من يقول إن هناك من ينتقد بهدف "جمع اللايكات" أو "الإساءة للرموز الوطنية" أو "تنفيذ أجندات خارجية". إذ لا يوجد أسهل من "تخوين" الأصوات الناقدة وتحويل النقاش إلى مناقشة هوية الشخص والبحث في تاريخه وأخطائه وهفواته للابتعاد عن مضمون ما قاله والرد عليه.
إن وضع شروط على النقد وتصنيفات له، لا يمكن تصنيفه إلا ضمن قيود حرية التعبير. إذ يسهل على أي جهة تتلقّى نقداً يستند لمعلومات خاطئة، أن تصدر توضيحاً يصحّح تلك المعلومات دون أن تتهم أحداً بأنه "هدّام وخائن ولديه أجندات". ولن يكون الشخص بحاجة لتقديم صكوك بـ"الوطنية والإخلاص" قبل أن ينتقد أصغر مسألة في البلاد.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة