الألعاب الشعبية السورية: إرث رمضاني يربط الأطفال بهويتهم وتراثهم


هذا الخبر بعنوان "الألعاب الشعبية للأطفال تحيي ليالي رمضان في سوريا" نشر أولاً على موقع sana.sy وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٤ آذار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
دمشق-سانا: كانت ليالي شهر رمضان المبارك في الماضي السوري تحمل طابعاً فريداً ونكهة خاصة، لا سيما بالنسبة للأطفال. فبعد الإفطار، كانت ضحكاتهم وصخبهم تحوّل الأزقة والحارات القديمة إلى مسرح نابض بالحياة، حيث يمارسون ألعاباً شعبية شكلت طقساً اجتماعياً عميقاً ربطهم بهويتهم وبيئتهم.
في هذا الشهر الفضيل، كان نظام الوقت المعتاد في مدن سوريا وريفها يتغير، مما يتيح للعائلات السهر حتى وقت السحور. هذا التغيير منح الأطفال حرية أكبر للعب خارج المنزل في أوقات لم تكن متاحة لهم في الأيام العادية. كما أن امتلاء الشوارع بالناس والرواد المتجهين إلى المساجد أو الأسواق، كان يمنح الأطفال شعوراً بالأمان للعب في مجموعات كبيرة.
يوضح الباحث محمد خليل الصمادي في كتابه "الألعاب الشعبية في بلاد الشام" أن شهر رمضان ارتبط بمجموعة من الألعاب الشعبية البارزة، منها "الغميضة" و"الدحل" وألعاب الفوانيس. بالإضافة إلى ذلك، كانت بعض المناطق تشهد تجمعات حول "الحكواتي"، أو انتظار "المسحراتي" الذي كان الأطفال يلحقون به ويشاركونه النداء.
يشير الصمادي إلى أن هذه الألعاب كانت وسيلة فعالة لمساعدة الأطفال الصائمين على تمرير الوقت قبل أذان المغرب، حيث كانت تلهيهم عن الشعور بالجوع والعطش. وقد صنف هذه الألعاب بناءً على عدد اللاعبين إلى ألعاب خاصة بالأولاد، وأخرى خاصة بالبنات، وألعاب مشتركة بينهما، فضلاً عن ألعاب أسرية تشارك فيها العائلة بأكملها من الأب والأم والأولاد.
ومن الأمثلة على هذه الألعاب التي ذكرها الصمادي: الحضار أو الحاح، الحجلة أو الحيز، الثعلب فات، طاق طاق طاقية، يا مفتش فتش على الحرامي، النط على الحبل، الطميمة، الدحل، شاك العجم، العنطوز، طرة ونقش، الدوش، العرج، الطابة والسبع بلاطات، سلوى يا سلوى، جمَّال يا جمَّال، وغيرها الكثير.
في كتاب «الألعاب الشعبية في دير الزور»، يؤكد الباحث الراحل عباس الطبال أن الألعاب الشعبية كانت تمثل وسيلة أساسية للتواصل الاجتماعي وتنمية المهارات الجسدية والذهنية لدى الأطفال. ويشير إلى أن العديد من هذه الألعاب انتقل شفهياً بين الأجيال لأكثر من مئة عام.
من أبرز الألعاب الجماعية التي كان يمارسها الأطفال هي لعبة السبع حجرات، التي تقوم على بناء برج صغير من سبع حجارة ثم محاولة إسقاطه بكرة صغيرة. بعد ذلك، يحاول الفريق المهاجم إعادة بنائه بينما يسعى الفريق الآخر لمنعهم. تتطلب هذه اللعبة سرعة الحركة والعمل الجماعي، مما جعلها من أكثر الألعاب انتشاراً بين الأطفال في مختلف المناطق السورية.
كما كانت لعبة البرسيس أو البرجيس تحضر بقوة في ليالي رمضان، وهي لعبة لوحية تقليدية تعتمد على التخطيط والحظ. يذكر الباحث الدمشقي منير كيال في كتابه «رمضان وتقاليده الدمشقية» أن هذه اللعبة كانت من أشهر ألعاب السهرات الرمضانية في البيوت الدمشقية، حيث تجتمع العائلة حول اللوح الخاص باللعبة وتستخدم قطعاً معدنية أو أصدافاً تُعرف باسم "الودع".
وفي منطقة وادي الفرات، وثّق الطبال أيضاً لعبة قينة قينة التي كانت تُمارس ليلاً بين مجموعات من الفتيان، وتعتمد على تقسيم اللاعبين إلى فريقين في منافسة تتطلب الرشاقة ودقة الملاحظة.
لا تقتصر الألعاب الرمضانية على هذه الأمثلة فحسب، بل تنتشر أيضاً ألعاب مثل الغميضة والحجلة وطاق طاق طاقية، بالإضافة إلى ألعاب محلية أخرى تختلف باختلاف المناطق السورية. ويؤكد الباحثون أن هذه الألعاب لم تكن مجرد وسيلة للترفيه، بل ساهمت في تعزيز روح التعاون بين الأطفال وترسيخ قيم اجتماعية كالمشاركة والتواصل. كما لعبت دوراً مهماً في نقل عناصر التراث الشعبي من جيل إلى آخر، لتظل جزءاً لا يتجزأ من الهوية الثقافية السورية التي تتجدد كل عام مع حلول شهر رمضان.
ثقافة
سياسة
سياسة
سوريا محلي