الرمادية في سوريا: بين اتهامات التواطؤ وثمن البقاء الصامت


هذا الخبر بعنوان "يا رمادية.. تهمة جاهزة في بلد لا يطيق أن تخالف قواعده النمطية" نشر أولاً على موقع snacksyrian وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٤ آذار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
تتوالى الاتهامات والشتائم، من “متواطئة، عميلة، خاينة، جبانة” لتنتهي بـ”يا رمادية”. هذه المفردات أصبحت جزءاً من الواقع المعاش منذ عام 2017 تقريباً، حين بدأ الوعي يتشكل تجاه سلطة الأسد المخلوع، بعد فترة طويلة من الابتعاد عن “السياسة” وتفضيل العيش مع العائلة بعيداً عن أي مجال لا يمكن التأثير فيه. (سناك سوري-رحاب تامر)
لم يتغير شيء حتى اليوم؛ فما زال الوصف ذاته يلاحقني: “متواطئة، عميلة، خاينة، جبانة، ورمادية أيضاً”. في السياق السوري، لم يكن “المواطن الرمادي” مجرد توصيف لموقف ضبابي، بل كان تعبيراً عن واقع قاسٍ فُرض علينا طويلاً. لقد كانت الرمادية وسيلة للبقاء في بلاد جعلت من الكلمة عبئاً ومن الرأي مخاطرة غير محسوبة. تعلمنا أن نخفض أصواتنا ونختار الصمت لأن الكلام كان أقرب إلى التهلكة. هذا لم يعنِ أننا بلا رأي، بل أصبحنا أكثر وعياً بثمن الرأي ذاته، واليوم مرة أخرى لم يتغير شيء.
ما يزال الجميع يسأل الشريحة التي أنتمي إليها، “الرماديين” الذين بقوا في الداخل، لماذا ما زلتم رماديين؟ وكأن الخوف يُمحى بتبدل الوجوه، أو أن الأمان يأتي كهدية مع كل تحول سياسي. الواقع مختلف للأسف؛ فكلفة التعبير ما تزال متفاوتة بين من يعيش في الداخل ومن غادر البلاد. وهكذا نتحول أنا ومن يشبهني إلى موضع شك، ليس فقط في نظر السلطة ومطبليها، بل أيضاً في نظر أصدقاء يعيشون في الخارج، حيث تتوفر لهم مساحة واسعة من التعبير دون أي تهديد مباشر لأمنهم أو أمن عائلاتهم وأطفالهم. من موقعهم الآمن هناك، يلومون من بقي في الداخل واختار الصمت أو على الأقل التعبير بالحد الأدنى من الكلفة، وكأن الحفاظ على الأمان بات تهمة، والنجاة اليومية صارت دليلاً على ضعف أو تواطؤ.
نحن الرماديون نمتلك رأياً واضحاً وصريحاً، لكننا نحتاج إلى ضمانات تتيح لنا التعبير عنه دون أن ندفع الثمن. لو تدركون فقط أننا لا نساوم على قناعاتنا بل نفاوض على حياتنا وحياة أطفالنا.
هكذا نصبح ضحية مزدوجة؛ ضحية لواقع لم يوفر لنا يوماً بيئة آمنة للتعبير الحر غير المشروط، وكذلك ضحية لخطاب أخلاقي صادر من الخارج، يطالبني بالمخاطرة دون أن يشاركني إياها.
في سوريا، لم تكن الرمادية حياداً سياسياً، بل خياراً قسرياً فرضته بنية القمع، واستمر ما دامت الحرية غير متكافئة. هذه الرمادية لن تزول إلا عندما يصبح الكلام حقاً فعلياً للجميع، لا امتيازاً مرتبطاً بالمكان. حينها فقط، يمكن محاسبة الصامتين، أما قبل ذلك، فإن لومهم لا يعدو كونه فوقية تافهة.
ما يعزيني حقاً، أن كلا الطرفين، مطبلي الحكومة ومعارضتها، لا يتقبلون آراءنا، فكلاهما لديه موقف رافض لها. هذا فقط ما يمنحني القدرة على البقاء رمادية في مجتمع لا يعرف سوى الطبل والمزمار أو ما ضدهما.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة