الحروب المعاصرة: معركة الصمود تتجاوز التفوق العسكري والميدان وحده


هذا الخبر بعنوان "حين لا تُحسم الحروب في الميدان" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٤ آذار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في كل مرة تندلع فيها صراعات كبرى، يطفو على السطح التساؤل الأزلي: من هو المنتصر؟ غالبًا ما يُختزل الجواب في ميزان القوة العسكرية، من خلال تعداد الطائرات والصواريخ وحجم الترسانة التقنية التي يمتلكها كل طرف. غير أن تجارب التاريخ، القريب والبعيد، تكشف أن هذا التصور، على أهميته، لا يكتمل. فالحروب الحديثة لم تعد تُحسم في الميدان وحده، بل تتوقف على قدرة الأطراف المتصارعة على إدارة الزمن والاقتصاد والرواية السياسية التي تمنح الصمود معناه.
لقد علمتنا حروب العقود الأخيرة أن التفوق العسكري لا يضمن بالضرورة نهاية سياسية مستقرة. فكثيرًا ما تمكنت قوى تمتلك أدوات عسكرية هائلة من تحقيق تفوق سريع في ساحة القتال، لكنها وجدت نفسها لاحقًا أمام معركة أطول وأكثر تعقيدًا: معركة تحويل هذا التفوق إلى نظام سياسي قابل للحياة. هنا يبرز التباين الواضح بين الانتصار العسكري والنتيجة السياسية، وهو تباين يفسر تحول بعض الحروب من مواجهات خاطفة إلى نزاعات طويلة تستنزف الموارد والأعصاب معًا.
يعود السبب في ذلك إلى أن الحرب في عصرنا لم تعد مجرد صدام بين جيوش، بل أصبحت شبكة متشابكة من عناصر القوة. فالميدان العسكري يشكل جزءًا من المعادلة، لكنه يتقاطع مع الاقتصاد والطاقة والأسواق العالمية والرأي العام الداخلي والخارجي. وعندما تتداخل هذه المستويات، يصبح السؤال الحقيقي ليس فقط من يضرب بقوة أكبر، بل من يستطيع تحمل كلفة الصراع لفترة أطول دون أن تتصدع بنيته الداخلية.
عند هذه النقطة، يظهر عامل الزمن كأحد أهم عناصر القوة في الحروب المعاصرة. فالدول التي تعجز عن تحقيق نتيجة سياسية واضحة خلال فترة قصيرة تجد نفسها أمام معضلة الاستنزاف. ومع مرور الوقت، تتحول الكلفة الاقتصادية والضغوط الاجتماعية والارتباك السياسي إلى عناصر ضغط لا تقل تأثيرًا عن الخسائر العسكرية المباشرة. في هذه اللحظة، يتغير ميزان الصراع: لم يعد التفوق في السلاح وحده هو العامل الحاسم، بل القدرة على الصمود وإدارة التوتر الطويل.
يزداد هذا التعقيد عندما تدخل الجغرافيا الاقتصادية إلى قلب المعركة. فالعالم المعاصر يقوم على شبكة دقيقة من الممرات البحرية وسلاسل الطاقة والتجارة. وأي اضطراب في هذه الشبكة يمكن أن ينقل الحرب من نطاقها الإقليمي إلى المجال العالمي. فارتفاع أسعار الطاقة أو تعطل طرق النقل لا يبقى مشكلة محلية، بل يتحول سريعًا إلى ضغط اقتصادي وسياسي على قوى دولية بعيدة عن ساحة القتال. وعند هذه النقطة، تصبح الحرب حدثًا دوليًا حتى لو بدأت كصراع محدود.
إلى جانب الاقتصاد والجغرافيا، تلعب الرواية السياسية دورًا لا يقل أهمية. فالحروب لا تُخاض بالسلاح فقط، بل بالمعنى الذي يمنحه كل طرف لصموده. فعندما تنجح دولة ما في إقناع مجتمعها بأن الصراع يمس أمنه ووجوده ومستقبله، فإن قدرتها على الاحتمال ترتفع. أما عندما يتآكل الإيمان الداخلي بجدوى الحرب، فإن التفوق العسكري يفقد كثيرًا من قيمته العملية. ولهذا تبدو التسويات السياسية في بعض الصراعات شديدة التعقيد. فحين يتحول النزاع من صراع مصالح قابل للتفاوض إلى صراع يُقدَّم بوصفه معركة على الهوية أو السيادة أو المصير، تصبح التنازلات أكثر كلفة على المستوى الرمزي. ومع ارتفاع سقف الخطاب السياسي، تتراجع قدرة الأدوات الدبلوماسية التقليدية على إنتاج حلول سريعة.
كل ذلك يحدث في سياق دولي يشهد بدوره تحولات عميقة. فالنظام الذي تشكل بعد الحرب العالمية الثانية قام إلى حد كبير على توازنات واضحة ومؤسسات دولية قادرة، بدرجات متفاوتة، على ضبط الإيقاع العام للعلاقات الدولية. أما اليوم، فيبدو العالم أقرب إلى مرحلة انتقالية مضطربة، حيث تتقدم موازين القوة الفعلية على القواعد والمؤسسات، وتزداد المنافسة بين القوى الكبرى على إعادة تعريف مناطق النفوذ ومصادر الطاقة والممرات الاستراتيجية.
في مثل هذه البيئة، يصبح من الصعب النظر إلى الحروب بوصفها أحداثًا منفصلة. فكل صراع إقليمي يتحول سريعًا إلى جزء من لوحة أوسع تتداخل فيها حسابات القوى الكبرى مع مصالح الدول الإقليمية. ومع اتساع هذا التشابك، تتراجع احتمالات الحسم السريع، لأن كل طرف يحاول استخدام عناصر مختلفة من القوة: العسكرية حيناً، والاقتصادية حيناً آخر، والزمن في كثير من الأحيان.
لذلك، قد يكون الخطأ الأكبر هو الاعتقاد أن نتيجة الحروب تُحسم بالضربة الأقوى فقط. فالتاريخ المعاصر يوحي بأن العامل الحاسم غالبًا ما يكون الطرف القادر على تحويل الزمن نفسه إلى عنصر قوة: الطرف الذي يستطيع الصمود فترة أطول، وتحمل الفاتورة الأعلى، ومنع خصمه من ترجمة تفوقه العسكري إلى استقرار سياسي دائم. وفي عالم تتشابك فيه خطوط الطاقة والتجارة، وتزداد فيه الترابطات الاقتصادية، تبدو الحروب أقل قابلية للحسم السريع وأكثر ميلًا للتحول إلى اختبارات طويلة لقدرة الدول والمجتمعات على الاحتمال. وفي مثل هذه الاختبارات، لا يُكتب الفصل الأخير في الميدان وحده، بل في الاقتصاد والسياسة وأعصاب المجتمعات التي تتحمل عبء الصراع حتى نهايته. (بقلم د. سلمان ريا، نقلاً عن أخبار سوريا الوطن2)
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة