الصراع الإقليمي يعيد رسم خريطة التجارة العالمية: البحر الأحمر مركزاً استراتيجياً جديداً للإمداد


هذا الخبر بعنوان "الصراع الإقليمي يعيد تشكيل خريطة الإمداد الدولي ويوجه التجارة نحو البحر الأحمر" نشر أولاً على موقع sana.sy وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٤ آذار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
يشهد المشهد التجاري العالمي تحولات جذرية مدفوعة بالصراع الأمريكي الإسرائيلي– الإيراني، مما أعاد تشكيل طرق الإمداد وجعل البحر الأحمر بديلاً استراتيجياً حيوياً لعبور البضائع. تتسابق الدول حالياً لتأمين مسارات بحرية آمنة بعيداً عن مضيق هرمز، الذي توقفت فيه الملاحة فعلياً نتيجة تصاعد العمليات العسكرية وارتفاع تكاليف التأمين على السفن.
تؤكد بيانات التجارة العالمية أن 12% من حركة التجارة الدولية تمر عبر البحر الأحمر، بينما كانت تقديرات وكالة الطاقة الدولية تشير إلى مرور 20% من تجارة النفط العالمية عبر مضيق هرمز قبل تعليق الملاحة فيه. وتشير توقعات رسمية إلى نمو الناتج المحلي الإجمالي لمنطقة البحر الأحمر من 1.8 تريليون دولار إلى 6.1 تريليونات دولار بحلول عام 2050، مما يعكس الأهمية المتزايدة للمنطقة.
في سياق هذه التحولات، أعلنت الهيئة العامة للموانئ السعودية عن إطلاق مسار بديل يربط موانئ المملكة على البحر الأحمر، وهي ميناء جدة الإسلامي وميناء ينبع التجاري وميناء الملك عبد الله، بشبكة متكاملة من الممرات البرية والبحرية تمتد إلى دول الخليج والأسواق الإقليمية. وتتميز هذه الموانئ بقدرة استيعابية تتجاوز 18.2 مليون حاوية سنوياً، مما يعزز دورها المحوري في دعم التجارة الدولية.
من جانبها، كشفت شركة بترول أبو ظبي الوطنية (أدنوك) عن بدائل لوجستية مبتكرة لتصدير النفط عبر ميناء الفجيرة على خليج عمان، والذي يمتلك طاقة تخزينية تتجاوز 8 ملايين برميل. ويشمل ذلك خط أنابيب حبشان– الفجيرة، الذي ينقل النفط الخام مباشرة من حقول أبو ظبي إلى الميناء، مما يتيح الوصول إلى الأسواق العالمية دون الحاجة للمرور بمضيق هرمز.
أما في قطر والعراق، فالمشاريع البديلة لا تزال تتطلب وقتاً لإنجازها. فقد أعلنت قطر للطاقة أن مشروع توسعة ميناء رأس لفان على بحر عمان، ليصبح جاهزاً للتصدير، سيستغرق 3 أعوام، مع وجود تحديات فنية أمام تطوير خطوط أنابيب بديلة تصل إلى أسواق آسيا. وفي العراق، أكدت وزارة النفط سعيها لتأهيل خط أنابيب كركوك– جيهان بطاقة تصميمية تصل إلى 1.6 مليون برميل يومياً، بهدف الوصول إلى الأسواق الأوروبية عبر تركيا.
في المقابل، أوضحت مؤسسة البترول الكويتية أن صادراتها النفطية تعتمد بالكامل على النقل البحري عبر الخليج العربي، ولا تمتلك مسارات برية بديلة، مما يجعلها عرضة لتقلبات استقرار الملاحة في المنطقة.
وتبرز مصر كبوابة بديلة نحو أوروبا، حيث أكدت شركة أنابيب البترول (سوميد) أن خط الأنابيب الذي يربط ميناء السخنة على البحر الأحمر بميناء سيدي كرير على البحر المتوسط يعمل بكامل طاقته البالغة 2.5 مليون برميل يومياً، بمشاركة سعودية وإماراتية وكويتية. كما أفادت هيئة قناة السويس بأن توسعة القناة قد زادت من قدرتها على استيعاب الناقلات العملاقة بنسبة 28%.
على الصعيد الآسيوي، تتبنى الصين والهند استراتيجيات مضادة لتأمين إمداداتهما. فقد أفادت إدارة الطاقة الصينية بأن بكين تعاقدت على استيراد 500 ألف برميل يومياً من روسيا وكازاخستان كبديل للإمدادات الخليجية. بينما أعلنت الهند عن تعزيز مخزونها الاستراتيجي في منشآت بادور ومينغالور بـ 6.5 ملايين برميل، إلى جانب توسيع العقود طويلة الأجل مع موردين من خارج منطقة الخليج.
على مستوى الإمدادات العالمية، تواصل روسيا وأمريكا وكندا تقديم بدائل مهمة. فقد صدرت شركة روسنفط الروسية 1.2 مليون برميل يومياً إلى آسيا خلال آذار الجاري بأسعار تنافسية رغم العقوبات. وأعلنت إدارة معلومات الطاقة الأمريكية زيادة الصادرات إلى 4 ملايين برميل يومياً، مستفيدة من طفرة النفط الصخري. في حين صدرت شركة إنبريدج الكندية 3.1 ملايين برميل يومياً من النفط الخام.
وفي مؤشر على تزايد المخاطر، كشفت منظمة (Windward) البحرية عن لجوء 47 سفينة في الخليج العربي إلى تغيير بيانات هويتها عبر نظام ATS لتظهر كسفن صينية أو تركية بطاقم مسلم، في محاولة لتجنب الاستهداف في المنطقة.
وفي سياق متصل، أفادت وكالة بلومبيرغ بأن صادرات ميناء ينبع بلغت 2.7 مليون برميل يومياً في آذار، بزيادة 40% عن الشهر السابق، وأن 70% من هذه الصادرات اتجهت إلى آسيا بدلاً من المسار التقليدي عبر خط سوميد المصري. وحذرت منظمة الملاحة الدولية (IMO) من أن استمرار التهديدات في البحر الأحمر قد يدفع 35% من سفن الحاويات لاتخاذ طريق رأس الرجاء الصالح، مما يزيد مدة الرحلة 12 يوماً ويكلف 800 ألف دولار إضافية للرحلة الواحدة. وقد أدت الرحلات الأطول بالفعل إلى ارتفاع تكاليف الشحن والتخزين واستهلاك الوقود، مما يضغط على المصانع وتجار التجزئة الذين يعملون بهوامش زمنية ضيقة.
تشير التطورات الراهنة في المنطقة إلى أن إعادة رسم خريطة التجارة العالمية باتت أمراً واقعاً لا مفر منه، مع انتقال جزء متزايد من حركة البضائع والطاقة إلى مسارات أطول وأكثر كلفة. وبينما تسعى الدول جاهدة لتأمين بدائل دائمة للممرات التقليدية، تؤكد المؤسسات الدولية أن استمرار الاضطرابات سيبقي أسواق الطاقة والشحن تحت ضغط مرتفع، ويعيد تشكيل سلاسل الإمداد العالمية لسنوات مقبلة.
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد