دفتر الديون يكشف أزمة المعيشة: عائلات ومحال سورية تعيش على "الحساب المفتوح"


هذا الخبر بعنوان "دفتر الديون: كيف عاشت بيوت كثيرة على الحساب المفتوح؟" نشر أولاً على موقع snacksyrian وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٥ آذار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في درج خشبي يقع أسفل طاولة البيع، يحتفظ "محمد" بدفتر قديم يضم بين صفحاته أسماء وأرقاماً لا حصر لها. هذا الدفتر ليس مجرد سجل حسابات تجاري، بل هو مرآة يومية لأزمات معيشية مؤجلة، يزداد سمكه مع كل تراجع في قدرة الزبائن على السداد. (سناك سوري-رحاب تامر)
يقول محمد، البالغ من العمر 33 عاماً وصاحب محل سمانة صغير في قرية نائية، لـ"سناك سوري": "منذ افتتاح المحل عام 1997، ونحن نعتمد على البيع بالدين. لكن الفارق الجوهري يكمن في أن الناس في السابق كانت تستدين من منتصف الشهر تقريباً أو في الأيام العشرة الأخيرة منه، وتسدد ديونها فوراً عند استلام الراتب."
عفاف، ممرضة في القطاع العام تبلغ من العمر 47 عاماً، تؤكد أن اللجوء إلى دفتر الديون لم يكن يوماً خياراً، بل ضرورة فرضتها الفجوة بين الراتب ومتطلبات الحياة. زوجها، الموظف في معمل غزل، لم يتقاضَ راتبه منذ أربعة أشهر. وتوضح عفاف لـ"سناك سوري": "أنا مضطرة للشراء بالدين، فالراتب لا يكفي ولا يوجد أي مورد آخر." تتوقف قليلاً قبل أن تضيف: "أكثر ما يؤلمني هو الخجل؛ أذهب إلى المحل وأنا أدرك أنني لن أتمكن من السداد فوراً." هذا الشعور بالخجل دفعها إلى فتح حسابات دين في ثلاثة محال مختلفة، ليس لزيادة حجم الاستدانة، بل لتوزيع الإحراج، قائلة: "بهذه الطريقة، لا أشعر أنني أطلب دائماً من الشخص نفسه."
على الرغم من محاولات عفاف المستمرة لتسديد جزء من ديونها كلما سنحت لها الفرصة من خلال عمل جانبي في رعاية المرضى أو إعطاء الحقن أو تغيير الضمادات في المنازل، إلا أن مجموع ما عليها تجاوز ثلاثة ملايين ليرة. وتعبر عن حيرتها قائلة: "لا أعرف كيف سأتمكن من سدادها."
يروي محمد كيف تطورت العلاقة مع الدين على مدى العقود الماضية: "في البداية، كانت الناس تبدأ بالاستدانة من منتصف الشهر، وتسدد ديونها فور استلام الرواتب. ثم أصبح الاستدانة تبدأ من الأيام العشرة الأولى من الشهر. أما اليوم، فهناك من لم يسدد ديونه منذ عام كامل." ويضيف أن بعض الزبائن يدفعون جزءاً بسيطاً عند القبض، ثم يعاودون الاستدانة فوراً. ونتيجة لذلك، اتخذ محمد قراراً منذ نحو ثلاث سنوات بالتوقف عن بيع أي سلع غير غذائية بالدين، مؤكداً: "المنظفات لا، وحدات الموبايل لا، الدخان لا، البزر والبسكوت لا، فقط الطعام."
البيع بالدين لا يلقي بعبئه على المستهلك وحده، بل يهدد المحال التجارية الصغيرة بشكل مباشر. يوضح محمد قائلاً: "محلي صغير، والديون تؤثر فوراً على رأس المال الذي خسرت ربعه تقريباً خلال ثلاث سنوات." وتتفاقم هذه الخسارة بشكل خاص في فترات تقلب سعر الصرف، حيث تُسعّر البضاعة بالدولار، بينما يُسدد الدين بالليرة السورية، وبقيمة تقل عن تكلفتها الفعلية عند إعادة الشراء.
من حلقة أعلى في سلسلة التوريد، يصف فادي، موزع جملة للمنظفات البالغ من العمر 49 عاماً، الوضع قائلاً: "عليّ ديون للمحال بأكثر من 70 مليون ليرة." ويؤكد لـ"سناك سوري" أنه "لا أحد يدفع فوراً"، مضيفاً: "التاجر ينتظر ليبيع، وما يُباع، يُباع بالدين، ثم يعود ليدفع لي جزءاً بسيطاً." هذه الدورة تتكرر باستمرار: دين على المستهلك، دين على المحل، ودين على الموزع.
في حي شعبي، يجد إسماعيل، صاحب محل سمانة صغير البالغ من العمر 41 عاماً، نفسه مضطراً للبيع بالدين، ليس فقط بدافع الرحمة، بل بسبب المنافسة الشديدة. يقول: "تحيط بي محال كبيرة، وإذا لم أبع بالدين، فلن يأتي الناس إليّ." لكن المفارقة تكمن عند موعد استلام الرواتب، حيث يوضح: "نفس الأشخاص يذهبون للشراء نقداً من محلات أخرى، لكنهم يتركون الدين عندي، والسبب أنهم يخجلون من المجيء إليّ في بداية الشهر وهم غير قادرين على سداد ديونهم." قبل ثلاثة أشهر، توقف إسماعيل عن بيع الخضار نهائياً، مشيراً إلى أن "كلها كانت تُباع بالدين." ويضيف: "حتى اليوم، لا تزال هناك ديون خضار قديمة لم يسددها أصحابها، وتقدر بحوالي 600 ألف ليرة."
لا يظهر "دفتر الديون" هذا في أي بيانات رسمية، ولا يُحتسب ضمن مؤشرات التضخم أو الفقر. ومع ذلك، يؤكد تجار ومستهلكون أنه أصبح أحد أوضح تعابير الأزمة المعيشية الراهنة. ففي صفحات هذا الدفتر، لا تُسجل الأرقام فحسب، بل تُدوّن أيضاً مشاعر الخجل، وترقب الرواتب. وبين اسم يُشطب بعد تسديد جزئي، وآخر يُرحّل إلى الصفحة التالية، يظل الدفتر مفتوحاً، بانتظار دخل يكفي لإغلاقه نهائياً.
سوريا محلي
سوريا محلي
سوريا محلي
سوريا محلي