مخلفات الحرب تفتك بالمدنيين وتعرقل العودة: مأساة الألغام المتفاقمة في شمال شرقي سوريا


هذا الخبر بعنوان "ألغام “الموت” تعرقل العودة وتحصد الأرواح شمال شرقي سوريا" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٥ آذار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
تتفاقم أخطار الألغام ومخلفات الحرب في شمال شرقي سوريا، وذلك في ظل التحولات العسكرية الأخيرة التي أدت إلى سيطرة الجيش السوري على مساحات واسعة من أرياف محافظتي الحسكة ودير الزور، بالإضافة إلى كامل محافظة الرقة. يأتي ذلك مقابل انحسار وجود “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) نحو أجزاء من محافظة الحسكة وناحية عين العرب (كوباني) وأريافها الجنوبية.
بين مناطق نفوذ متداخلة وطرق رئيسة مغلقة أو مقطوعة بالحواجز، يجد المدنيون أنفسهم مجبرين على سلوك طرق فرعية محفوفة بالمخاطر، حيث تنتشر الألغام الأرضية وبقايا الذخائر غير المنفجرة.
خلال الأيام الماضية، سُجلت حوادث عدة تؤكد استمرار خطر الألغام وتفاقمه، خاصة مع محاولات الأهالي استئناف حياتهم والعودة إلى أراضيهم الزراعية وأعمالهم اليومية.
في 27 من شباط الماضي، شهدت قرية الجديدة، الواقعة على بعد ثلاثة كيلومترات شمال غرب بلدة عين عيسى في ريف الرقة الشمالي، انفجار لغم أرضي من مخلفات “قسد”، ما أسفر عن إصابة طفل نُقل إلى المستشفى حيث خضع لعملية بتر في ساقيه. وفي اليوم ذاته، أُصيب طفلان آخران بانفجار لغم زرعته “قسد” على أطراف قرية جديدة المستور بريف عين عيسى الغربي. وقبل ذلك بيوم، في 26 من شباط، قُتل ثلاثة مدنيين وأُصيب اثنان آخران جراء انفجار لغم أرضي استهدف سيارتهم في منطقة الأمين ببادية الشميطية غربي دير الزور. كما وثّقت حوادث أخرى خلال الشهر نفسه، منها مقتل ثلاثة مدنيين، بينهم طفلان، وإصابة ثمانية آخرين، بانفجار لغم بسيارتهم في منطقة الخراطة قرب الشولا في بادية دير الزور الجنوبية.
في ريف الحسكة، ولا سيما في محيط جبل عبد العزيز، تتكرر الحوادث مع خروج الأهالي لجني الحشائش البرية، التي تشكل مصدرًا غذائيًا حيويًا في ظل الفقر وتراجع فرص العمل. عز الدين محمد المحمد، شاب من قرية الغرّة في جبل عبد العزيز، خرج قبل أيام للبحث عن نباتات صالحة للأكل مثل الكروزي والخبيزة والفطر بجانب قريته. لم يكن يعلم أن الأرض التي اعتاد السير عليها تخفي لغمًا أرضيًا انفجر به، ليفقد بصره نتيجة الإصابة، بعد نقله إلى دمشق وإدخاله غرفة العمليات.
قال عبد الرحمن العبد، وهو شاب من المنطقة: “كنا نخرج في مثل هذا الوقت من السنة لجمع الأعشاب، فهي تساعدنا في تأمين قوتنا. اليوم صرنا نخاف من كل خطوة”. وأضاف عبد الرحمن أن انفجار اللغم بعز الدين “أصاب القرية كلها بالصدمة”، إذ بات الأهالي يحذرون أبناءهم من الاقتراب من الأراضي المفتوحة، على الرغم من الحاجة الماسة للموارد الطبيعية. وتابع: “حتى الأطفال لم يعودوا يبتعدون عن البيوت. نخشى أن تتحول أي بقعة خضراء إلى فخ”.
إن تقاسم السيطرة داخل محافظة الحسكة بين ريف يسيطر عليه الجيش السوري ومدن لا تزال تحت سيطرة “قسد”، ترافق مع حواجز وإغلاق الطرق الرئيسة، ما دفع الكثيرين لسلوك طرق ثانوية وعرة وغير معبّدة. محمود الخلف، أحد أبناء ريف الحسكة الجنوبي ويعمل في البناء داخل مدينة الحسكة، قال إن انتقاله اليومي بات “مغامرة غير محسوبة”. وأضاف: “الطريق الرئيس مغلق والطرق الأخرى تتطلب المرور بحواجز طويلة الانتظار، فنضطر لسلوك طرق ترابية جانبية. المشكلة أننا لا نعرف أي طريق آمن وأيها مزروع بالألغام”.
وروى محمود حادثة مؤلمة وقعت مطلع شباط الماضي، حين انفجر لغم بسيارة عائلة كانت تنوي العودة إلى مدينة الحسكة بعد نزوح قصير إلى الريف، ما أدى إلى وفاة أم وطفليها قرب المدخل الجنوبي للمدينة. وقال: “هذه الحادثة هزّت المنطقة. الطريق الذي يمر به الجميع تحوّل إلى مصيدة. منذ ذلك اليوم، أصبح الخوف رفيق كل رحلة”. وأضاف: “أنا أعيل أسرتي من عملي اليومي، لكن كل مرة أخرج فيها أشعر أنني أودع أولادي. لا توجد إشارات تحذيرية كافية، ولا خرائط واضحة تبيّن المناطق الخطرة”.
في قرية سودة وعبد بريف الحسكة الجنوبي، يواجه رعاة الأغنام واقعًا مشابهًا. سلمان المطر، وهو أحد الرعاة في القرية، قال إن المراعي المحيطة بقريته “لم تعد كما كانت”. وأضاف: “كنا نرعى في محيط واسع، اليوم صرنا نحدد مسارات ضيقة ونتجنب أماكن مزروعة بالألغام. لا أحد دلّنا على المناطق الآمنة بشكل رسمي، نعتمد فقط على ما نسمعه من الآخرين”.
وأشار إلى أنه فقد سابقًا عددًا من رؤوس الغنم جراء انفجار لغم أرضي في أطراف القرية. “سمعنا الانفجار ورأينا الغبار يتصاعد. خسرت جزءًا من القطيع، والحمد لله لم يُصب أحد من الرعاة. لكن الخوف باقٍ، والخسارة مؤلمة”، قال سلمان. وتابع أن الألغام “لا تقتل البشر فقط، بل تقتل أرزاقهم أيضًا”، موضحًا أن تقلص مساحة الرعي أدى إلى ضعف الإنتاج وارتفاع تكاليف التربية.
بحسب ما وثقته “الشبكة السورية لحقوق الإنسان”، سُجلت 996 حادثة بسبب مخلفات الحرب حتى 12 من شباط، في حين تصدرت محافظة دير الزور القائمة من حيث عدد الضحايا منذ كانون الأول 2024، مع 1798 ضحية. مدير “الشبكة”، فضل عبد الغني، قال إن “الدلائل المتاحة تشير إلى أن زرع الألغام في سوريا اتبع، في حالات عديدة، أنماطًا تتجاوز الضرورات التكتيكية المؤقتة لتقترب من ممارسات منهجية ذات أثر مدني متوقع”.
وأوضح أن هذه الأنماط شملت “إنشاء أحزمة ألغام دفاعية على امتداد خطوط المواجهة، والتلويث المتعمد للأراضي الزراعية والممرات الحيوية بما يقوض سبل عيش المدنيين ويعرقل عودتهم، إضافة إلى التفجير المنهجي للمباني السكنية والبنية التحتية ذات الطابع المدني”. وأشار عبد الغني إلى أن هذه الممارسات “تثير مخاوف جدية بموجب القانون الدولي الإنساني”، لافتًا إلى أن زرع الألغام داخل المنازل أو في محيطها “يمس مباشرة الحق في السكن الآمن، ويقارب من حيث الأثر مفهوم العقاب الجماعي المحظور بموجب اتفاقية جنيف الرابعة، فضلًا عن تعارضه مع مقتضيات التمييز والتناسب واتخاذ الاحتياطات اللازمة لحماية السكان المدنيين”.
بعد أكثر من 14 عامًا على اندلاع النزاع في سوريا، لا تزال مخلفات الحرب تحصد أرواح المدنيين شهريًا، وأغلبية الضحايا من الأطفال. ومع التغيرات الأخيرة في خارطة السيطرة بشمال شرقي سوريا، ما زالت الكثير من الأراضي وأطراف الأماكن السكنية ملوثة بالألغام. في عين عيسى وريفها، كما في بادية دير الزور وأطراف الحسكة، تكشف الحوادث المتكررة أن مساحات واسعة لم تخضع لمسح هندسي، وأن خطوط التماس السابقة تحولت إلى أحزمة موت صامتة.
قال عبد الرحمن العبد، شاب من قرية الغرّة في جبل عبد العزيز بريف الحسكة: “كنا نظن أن انتهاء المعارك يعني عودة الأمان، لكن الأرض نفسها أصبحت عدوًا صامتًا”. أما محمود الخلف، أحد أبناء ريف الحسكة الجنوبي، فيرى أن “أبسط الحقوق اليوم هو طريق آمن للعمل والعودة”، بينما يرى سلمان المطر، أحد الرعاة في المنطقة، أن “إزالة الألغام هي الخطوة الأولى لإعادة الحياة إلى الريف”.
بين شهادات الأهالي وأرقام التوثيق الحقوقي، يتضح أن الألغام في شمال شرقي سوريا لم تعد مجرد مخلفات حرب، بل أزمة إنسانية مستمرة، تتطلب استجابة عاجلة وخططًا منهجية للمسح والإزالة والتوعية، كي لا تبقى الأرض مصدرًا دائمًا للخطر بدل أن تكون سبيلًا للعيش.
سوريا محلي
سوريا محلي
سوريا محلي
سوريا محلي