سوريا محلي

الإعلام والمزاج العام: تحديات بناء الثقة في مجتمع الأزمات

enabbaladi.net١٥ آذار ٢٠٢٦ في ١٢:٠٥ م15 مشاهدة
الإعلام والمزاج العام: تحديات بناء الثقة في مجتمع الأزمات

تنويه

هذا الخبر بعنوان "أزمة المزاج العام.. الإعلام على حبل مشدود" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٥ آذار ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

لا ينكر المراقب علي عيد ما يعيشه المجتمع السوري من أزمة ثقة عميقة تؤثر في توجهات الجمهور، وتُخضع الحكم على المعلومات للمزاج العام السائد. هذا الواقع يضاعف من صعوبات نيل الثقة، ليس فقط من الجهات المسؤولة أو المؤسسات والمنظمات وحتى روايات الجماعات الأخرى، بل يمتد الأمر ليتجاوز ذلك إلى الإعلام نفسه.

يلعب الإعلام دورًا محوريًا في تشكيل المزاج العام، وقد يكون هذا الدور إيجابيًا ومنطقيًا من خلال التفاعل والتفسير البناء، أو قد يتحول إلى خطر داهم عندما ينزلق ليصبح أداة لتوجيه الجمهور والرأي العام لمصلحة الدعاية السياسية. فالإعلام لا يصنع المشاعر بحد ذاتها، لكنه قد يتسبب في تضخيمها أو تهدئتها وإعادة تفسيرها بشكل عقلاني. وعندما يتجاهل الإعلام مشاعر الناس، يفقد قدرته على التأثير، وعندما يتلاعب بهم، يفقد الثقة تمامًا.

يمكن تعريف المزاج العام بأنه المناخ النفسي السائد في المجتمع، والذي يتحكم بالطريقة التي يفهم بها الناس الأحداث ويستجيبون لها. ويتشكل هذا المزاج، وفقًا لعلم الاجتماع وعلم النفس السياسي، تحت تأثير عناصر متعددة، منها التجارب اليومية للناس (مثل الاقتصاد، الأمن، الخدمات)، والخطاب السياسي والإعلامي، والأزمات والحروب والأحداث الكبرى، والنقاش الاجتماعي المتداول في الفضاء العام، ومناخ الشائعات، بالإضافة إلى التركيبة الاجتماعية للمجتمع (مكوناته، تناقضاته، طموحاته المتباينة، وخلفياته التاريخية).

لقد دخل عامل مؤثر جديد في هذا المشهد، وهو وسائل التواصل الاجتماعي، التي أخذت دورها في إثارة الانفعال العام لزيادة التأثير والانتشار. يتم ذلك عبر التأثير المدمر لـ"خوارزميات" المنصات، و"غرف الصدى" (التي تجمع المتشابهين في الرأي)، واقتصاد الغضب (الذي يحرض على التفاعل من أجل الربح).

بما أن المزاج العام يشكل طقسًا اجتماعيًا متنوعًا (خوف، أمل، غضب، تعب، لا مبالاة)، ولأسباب مفهومة، يبرز السؤال عن الدور الذي يقوم به الإعلام وموقعه في هذا المشهد المعقد. قبل كل شيء، تجدر الإشارة إلى أن الهدف الأساسي للإعلام هو كسب الثقة، فهو في النهاية خدمة، وزبائنه بالمعنى الحسابي هم الجمهور. لكن مهماته تمتد إلى المسؤولية المجتمعية، وأخلاقياته تستوجب أن يكون جزءًا فاعلًا في صمود المجتمعات، ومواجهة الكوارث والأزمات، وشرح الحقائق أمام الجمهور.

إن المجتمع الذي يُحرم من الحقائق لفترة طويلة، يصبح أكثر هشاشة عندما تنكشف الحقائق لاحقًا، ويتزايد انعدام ثقته بكل ما حوله، وبكل الرسائل التي يتلقاها. هذا يعني أن المهمة الأولى للإعلام هي الحقيقة، أو السعي إلى الحقيقة، والحفاظ على دوره الأساسي كوسيط نزيه يمثل أصوات الجميع.

في إطار كسب الثقة والتأثير، والإسهام في الحفاظ على وعي يمنع خضوع المزاج العام لمتغيرات تتعلق بفهم خاطئ وغير مكتمل للحقائق، يجد الإعلام أن من بين مهامه الأساسية في الإطار المهني:

  • تفسير ما يحدث بدقة: استخدام أدوات تعزيز المصداقية مثل الأرقام، التواريخ الدقيقة، والشهود الموثوقين (الجديرين).
  • تدقيق المعلومات: التأكد من صحة الأخبار، والحصول على المعلومات والوثائق الصحيحة ذات الصلة.
  • شرح السياق: إظهار السياق العام للأحداث وظروفها الموضوعية دون مبالغة.
  • شرح الفرص وتقدير المخاطر: بيان أهمية القرارات، والفرص الناتجة عنها، والواقعية في تقييمها وتبيان مخاطرها أو مواضع الخلل فيها دون تهويل أو التسبب بحالة ذعر.
  • الإشارة إلى المستقبل: تقديم رؤية كاشفة للمستقبل (ماذا سيحصل إذا فعلنا كذا، وماذا سيحصل إن لم نفعل؟ ومن سيستفيد ومن سيخسر؟).
  • تفكيك الشائعة: يعتبر تفسير آلية ظهور الشائعة وانتشارها أكثر فائدة من مجرد تكذيبها.
  • إدارة الإيقاع العاطفي للخبر: الأحداث الكارثية والتدفق الكبير والتغطية المبالغ فيها تتسبب بظاهرة "إرهاق التعاطف"، وهو ما يستدعي عدم إغراق الجمهور في تدفق لا ينتهي دون تفسير أو أفق.
  • إدارة عدم اليقين: الابتعاد عن ملء الفراغ بالتخمين في الأزمات لعدم توفر المعلومات، والاعتراف بحدود المعرفة مع السعي للحصول على المعلومات.
  • الابتعاد عن إنتاج واقع بديل: تجنب الانجرار في فرضيات لإنتاج روايات تخدم وجهة نظر طرف، والاكتفاء بتفسير الواقع الحقيقي، وتجنب استخدام مغالطات (مغالطة رجل القش، المنحدر الزلق، الاحتكام إلى السلطة، وغيرها).
  • الشفافية: شرح أسباب التعامل مع القصص، والطريقة التي حصل فيها الإعلام على المعلومات، والإشارة لحجب المعلومات من قبل طرف، ما يزيد من كسب الثقة.
  • ضمان حق الجمهور في المساءلة: حق التصحيح، حق الاعتراض والشكوى، وعدم الإنكار والاعتراف بالخطأ من قبل الإعلام.
  • إدماج الجمهور في برنامج "كيف تقرأ الخبر": برامج محو الأمية الإعلامية، وفهم مسارات عمل الإعلام، والتمييز بين الإعلام المسؤول والمضلل، تساعد في كسب الثقة، وزيادة التأثير، والإسهام في منع المجتمع من الخضوع للمزاج العام الضار.

ليس دور الإعلام التأثير في المزاج العام للسيطرة عليه، بل منعه من أن يقود الحقيقة، والتعامل مع الجمهور كشريك لا مجرد مستهلك، وهو ما يعزز الثقة والتأثير. وللحديث بقية.

شارك الخبر: