سوق الحاضر بحماة: نبض المدينة وروح البادية.. حكاية تجارية واجتماعية على ضفاف العاصي


هذا الخبر بعنوان "سوق “الحاضر” بحماة.. ملتقى البادية والمدينة على ضفاف “العاصي”" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٥ آذار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
على ضفاف نهر العاصي، تتجلى مدينة حماة بشقين متميزين، يمثل كل منهما نبضًا مختلفًا: "السوق" الذي يعج بحركة سكان المدينة، و"الحاضر" حيث تعرض المنتجات الريفية ويستقر البدو. يقع سوق "الحاضر" في قلب المنطقة العتيقة، ويشهد على تاريخ تجاري واجتماعي يمتد لأكثر من قرن. لم يكن هذا السوق الشعبي، الذي يعود تأسيسه إلى العهد العثماني، مجرد مركز للبيع والشراء، بل ظل لعقود طويلة جسرًا يربط المدينة بمحيطها الزراعي والرعوي. هنا، يلتقي تاجر الجملة بالبدوي القادم من عمق البادية، وتتحول المنتجات الريفية الطازجة إلى سلع أساسية لربات البيوت في حماة وحلب والمناطق المجاورة.
في هذا السوق الذي يتميز بنشاطه الصباحي الباكر، يتجاوز اللقاء مجرد تبادل البضائع ليشمل تلاقي الثقافات والعادات، حيث تتصافح الأرياف مع الحواضر، وتُروى قصص تجار توارثوا مهنتهم عبر الأجيال.
يشرح عمار مصطفى كوجان (45 عامًا) لموقع عنب بلدي، الجغرافيا الفريدة لمدينة حماة، مقسمة إلى شقيها "الحاضر" و"السوق"، وهو تقسيم يعود إلى مرور نهر العاصي بوسط المدينة. ويؤكد عمار أن سوق "الحاضر" يستقطب بشكل أساسي زواره من أهل القرى والأرياف والبدو، بينما يرتاده سكان المدينة بشكل أكبر في السوق الآخر.
يحتوي "الحاضر" على مجموعة من الأسواق القديمة التي لا يزال بعضها يعمل حتى اليوم، منها سوق "برهان" وسوق "العرب" وسوق "الفرواتية". كما يضم أسواقًا أحدث مثل سوق "الخضرة" وسوق "اللبن" وسوق "العفش" أو "السختورة" بالعامية. ويضيف عمار أن المنتجات الريفية والألبان والأجبان الطازجة هي ما يميز هذا السوق العريق ويشكل هويته الأساسية.
في سوق "الخضرة"، يقف عبد المعين كلكل (47 عامًا)، ممثلًا الجيل الثالث لعائلة عريقة في تجارة الألبان والأجبان بسوق "الحاضر". يروي كلكل لموقع عنب بلدي بفخر: "بدأنا في السوق منذ عهد جدي، تقريبًا عام 1910. كان لديه عملان: أحدهما في الأجبان والألبان، والآخر مطعم فروج". ما يميز سوق "الحاضر" هو عدم تخزين بضاعته؛ فوفقًا لعبد المعين، "جميع البضاعة التي تصل تُباع في اليوم نفسه". هذا الاعتماد على المنتجات الطازجة هو أساس سمعة السوق وجودته. ويضيف: "تُحضّر المنتجات في اليوم الأول، وتُعرض في السوق صباح اليوم التالي لتُباع في اليوم نفسه، دون الحاجة إلى ثلاجات أو تخزين، لأن التبريد يؤثر على الجودة".
يؤكد التجار أن سوق "الحاضر" يتميز بطابع صباحي فريد، حيث يتطلب الحصول على أجود المنتجات الطازجة الحضور المبكر. يوضح عبد المعين كلكل، تاجر الألبان والأجبان في السوق، أن "حركة البيع تبدأ من السادسة صباحًا، وبحلول الساعة العاشرة يكون التاجر قد أتم بيع بضاعته بالكامل". ويشير عبد المعين إلى أن المتأخرين يواجهون صعوبة بالغة في إيجاد المنتجات الريفية الطازجة بسبب محدودية الكميات الموردة يوميًا، مضيفًا: "إنه سوق يعمل باكرًا ويغلق باكرًا، على عكس أسواق حماة الأخرى التي تفتح وتغلق في وقت متأخر". هذه الندرة النسبية في الكميات، مقارنة بإنتاج المصانع، تمنح المنتجات التقليدية قيمة استثنائية وتجذب زبائنها الأوفياء الذين يقدرون جودتها الفائقة.
لا يقتصر دور سوق "الحاضر" على كونه نقطة بيع فحسب، بل يمثل محطة أساسية ضمن دورة اقتصادية متكاملة تربطه بالبادية. يشرح عبد المعين هذه العلاقة قائلاً: "يبدأ البدو والمنتجون الريفيون بتحضير بضائعهم من ألبان وأجبان وسمن عربي قبل يوم واحد، ليحضروا إلى السوق بين السادسة والسابعة صباحًا. ولا يكتفون ببيع منتجاتهم وقبض ثمنها، بل يستغلون السوق لتأمين كافة احتياجاتهم من المدينة قبل العودة إلى مناطقهم". ويؤكد أن هذه المعاملات التجارية ليست حديثة العهد، بل هي امتداد لعلاقات ثقة متينة توارثتها الأجيال، يعود بعضها إلى عهد الأجداد.
يتميز سوق "الحاضر" أيضًا بمنتجات فريدة لا تتوفر في أسواق أخرى. يذكر عمار كوجان، صاحب محل للمشتقات الحيوانية (السمن العربي)، أن السوق يضم محلات متخصصة في بيع "العُقل" و"الجلابيات" و"المزويات"، وهي بضائع ذاع صيتها حتى منطقة الخليج. كما تشتهر المنطقة بانتشار دباغة الجلود. وعلى طول سوق "برهان"، يمكن للزوار العثور على محلات للذهب والصياغة. ويضيف عمار: "غالبية زبائن سوق الحاضر هم من أهل القرى والأرياف والقبائل القادمة من البادية. يأتون إلى هنا لأنهم يجدون منتجات خاصة لا يجدونها في أي مكان آخر، مثل الدلات وبيوت الشعر واللباس العربي الأصيل".
على الرغم من قيمته التاريخية والاقتصادية، يواجه سوق "الحاضر" تحديات جمة. يتحدث باعة السوق عن تهميش كبير مقارنة بالأسواق الأخرى في المدينة، وعن إهمال الأبنية الأثرية ونقص الخدمات الأساسية. يوضح محمود حاتم أن "شكل السوق الحالي تغير كثيرًا، هذا هو شكله الحديث بعد أحداث عام 1982. فقد اختفى حوالي 90% من السوق، ولم يتبقَ إلا الجزء القديم مثل جامع الأفندي وسوق برهان. أما البقية، فهي شوارع جديدة تشكلت مؤخرًا". كما أن التحديات الاقتصادية الأخيرة ألقت بظلالها؛ فالجفاف الذي ضرب المنطقة في السنوات الأخيرة، وارتفاع أسعار الأعلاف، وتصدير الأغنام للخارج، كلها عوامل أثرت سلبًا على الثروة الحيوانية، وفقًا لمحمود.
ويتحدث عبد المعين كلكل عن واقع مؤلم، قائلاً: "سابقًا، كنا نلبي حاجة القطر بأكمله من الأجبان والألبان والحليب والسمن العربي، لكن بسبب الحرب والجفاف وغلاء الأعلاف، تدهورت الثروة الحيوانية. اليوم، أصبحت المنتجات الطبيعية نادرة جدًا، ونحو 60 إلى 70% من منتجات الأجبان في السوق باتت صناعية من الحليب المجفف". ويضيف: "نعاني الآن من قلة الإنتاج، والكميات التي تصل إلى السوق ضئيلة جدًا مقارنة بالسنوات الماضية. وقد أدى ذلك إلى ارتفاع الأسعار، مما دفع الناس للتوجه نحو المنتجات الصناعية كبديل أرخص، على الرغم من الفارق الكبير في الجودة".
بعد سقوط النظام السابق، عاد العديد من النازحين إلى قراهم ومناطقهم، مما أثر على ديناميكية السوق. يذكر محمود حاتم: "في السنتين الأخيرتين قبل سقوط النظام، كان العمل مستقرًا، وقد تأقلمنا مع الوضع. حاليًا، بعد عودة الشباب، اختلفت الحركة. لقد أثر الغلاء بشكل كبير على الناس، سواء في الريف أو المدينة".
رغم التحديات، يظل تجار "الحاضر" متفائلين. يقول عمار كوجان: "سابقًا، كانت حماة معروفة بأنها أرخص مدينة في العالم، وليس فقط في سوريا، من حيث المنتجات الغذائية. للأسف، بسبب الحرب والظروف الصعبة، لم يعد هذا الواقع قائمًا، لكننا متفائلون بأن تعود الحركة أفضل في الأيام المقبلة، بعد تحقيق الاستقرار وانفتاح البلاد".
ويختتم عبد المعين كلكل حديثه قائلاً: "هذا العام، مع حلول الربيع، نأمل أن يكون عام خير وبركة. سيزداد إنتاج الحليب، وستنخفض أسعار الأجبان والألبان والسمن. نترقب ذلك خلال الأيام المقبلة بعد العيد".
سوريا محلي
سوريا محلي
سوريا محلي
سوريا محلي