رحيل يورغن هابرماس: وداعاً لعملاق الفلسفة الألمانية ومفكر الديمقراطية


هذا الخبر بعنوان "دويتشه فيله : رحيل الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس أحد أبرز مفكري العصر" نشر أولاً على موقع aksalser.com وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٥ آذار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
لطالما كان صوت الفيلسوف يورغن هابرماس مؤثراً في النقاشات العامة، حيث لم يتردد قط في التعبير عن آرائه. هذا المفكر، الذي عُرف عالمياً بثقافته الواسعة وأسفاره المتعددة، تحول مع مرور الوقت إلى رمز فكري ألماني ذي صيت دولي. في عام 2001، عندما تسلم جائزة السلام لاتحاد الناشرين الألمان في كنيسة بولس التاريخية بفرانكفورت، أشادت عمدة المدينة آنذاك، بيترا روث، بقدرة هابرماس على التفكير المتواصل ونزاهة أحكامه الفكرية، مؤكدة أن حضوره الفكري أسهم في تعزيز صورة ألمانيا الثقافية عالمياً.
غالباً ما تناول هابرماس في كتاباته وخطاباته القضايا الكبرى التي تشغل المجتمعات الحديثة. ويشير كاتب سيرته، ستيفان مولر-دوهم، إلى أن فكرة الديمقراطية كانت بمثابة الخيط الذي يربط معظم أفكار هابرماس. فمن وجهة نظره، لا يمكن ترك الاقتصاد الرأسمالي يعمل بلا ضوابط، بل يجب إخضاعه لقواعد ديمقراطية تحمي المجتمع وتوازن بين المصالح المختلفة.
لم يكن اهتمام هابرماس بالديمقراطية مجرد فكرة فلسفية مجردة، بل ارتبط أيضاً بتجارب شخصية عاشها في شبابه. وُلد في 18 يونيو عام 1929 في مدينة دوسلدورف، ونشأ في مدينة غومرسباخ غرب ألمانيا. تشكل وعيه الأول خلال الحقبة النازية، بل جرى تجنيده كمساعد شاب في وحدات الدفاع الجوي خلال الحرب العالمية الثانية. وعندما انهار النظام النازي عام 1945، كان لا يزال في سن المراهقة، لكن تلك اللحظة تركت أثراً عميقاً في تفكيره، حيث أدرك لاحقاً أنه نشأ في ظل نظام إجرامي قاد المجتمع إلى البربرية.
في ستينيات القرن الماضي، أعادت بعض الأحداث السياسية تذكير المجتمع الألماني بتلك الحقبة، مثل محاكمات أوشفيتز التي كشفت جرائم النازية، وكذلك قضية مجلة “دير شبيغل” الشهيرة عام 1962. في تلك القضية، تعرض صحفيون من المجلة للتحقيق بتهمة الخيانة بعد نشر تقرير حول قدرة ألمانيا الدفاعية، كما قضى ناشر المجلة رودولف أوغشتاين أكثر من مئة يوم في الحبس الاحتياطي، في واحدة من أكبر الأزمات السياسية التي شهدتها ألمانيا الغربية آنذاك.
في الثمانينيات، شارك هابرماس في جدل فكري واسع عُرف باسم “جدل المؤرخين”. فقد انتقد بشدة المؤرخ إرنست نولته الذي حاول مقارنة جرائم النازية بجرائم النظام الستاليني. ورأى هابرماس أن مثل هذه المقارنات قد تقلل من فظاعة المحرقة النازية، التي اعتبرها جريمة فريدة في تاريخ الإنسانية.
درس هابرماس الفلسفة والاقتصاد والأدب الألماني بين عامي 1949 و1954، وبدأ حياته المهنية صحفياً مستقلاً. لكن كتاباته المبكرة جذبت انتباه الفيلسوف تيودور أدورنو، أحد أبرز مؤسسي مدرسة فرانكفورت الفكرية مع ماكس هوركهايمر. كانت هذه المدرسة تسعى إلى فهم الأسباب التي جعلت المجتمعات الحديثة، رغم تقدمها الفكري، تنزلق نحو أنظمة استبدادية مثل النازية.
استدعى أدورنو هابرماس للعمل في معهد البحوث الاجتماعية بفرانكفورت، حيث بدأ تطوير أفكاره حول ما يُعرف بالتحليل النقدي للمجتمع، وهو منهج فكري يهدف إلى كشف آليات الهيمنة والأفكار الأيديولوجية داخل المجتمعات. لكن بسبب خلافات فكرية مع مدير المعهد هوركهايمر، اضطر هابرماس إلى تقديم أطروحته للتأهيل الجامعي في جامعة ماربورغ. وبعد عامين، عاد إلى فرانكفورت ليشغل منصب أستاذ الفلسفة وعلم الاجتماع خلفاً لهوركهايمر.
لم يكن هابرماس مفكراً منعزلاً في برج عاجي، بل كان حاضراً بقوة في النقاشات السياسية. وقد أثارت بعض كتاباته جدلاً واسعاً بسبب تأثيرها السياسي، حتى وإن اشتكى طلابه أحياناً من صعوبة لغته الفلسفية. خلال أواخر الستينيات، تحولت مدينة فرانكفورت إلى أحد مراكز الاحتجاجات الطلابية في أوروبا، وكان كثير من نشطاء حركة عام 1968 ينظرون إلى هابرماس باعتباره مرشداً فكرياً لهم. لكن عندما اتجهت الحركة نحو مزيد من الراديكالية، ابتعد عنها. وفي كتابه “الثورة الزائفة وأبناؤها”، انتقد بشدة بعض أساليب الحركة واعتبرها نوعاً من الفاشية اليسارية، وهو موقف أثار غضب كثير من اليساريين في ألمانيا.
في عام 1971، انتقل هابرماس إلى مدينة شتارنبرغ قرب ميونيخ ليعمل مديراً مشاركاً في معهد ماكس بلانك. وهناك، نشر عام 1981 أهم أعماله الفكرية “نظرية الفعل التواصلي”. في هذا العمل، حاول تفسير كيفية عمل المجتمعات الحديثة، معتبراً أن اللغة والحوار هما الأساس الذي يقوم عليه التفاهم الاجتماعي. ومن هنا، طرح أفكاره حول قوة الحجة الأفضل وإمكانية الوصول إلى نقاش ديمقراطي خالٍ من الهيمنة.
عاد هابرماس إلى فرانكفورت عام 1983 حيث استمر في تدريس الفلسفة حتى تقاعده عام 1994. لكن تقاعده لم ينه حضوره في النقاشات العامة، فقد استمر في كتابة المقالات والتدخل في القضايا السياسية. في عام 1999، دعم التدخل العسكري لحلف شمال الأطلسي في حرب كوسوفو، معتبراً أن الدول الديمقراطية قد تضطر في بعض الحالات إلى تقديم مساعدة إنسانية مشروعة وفق القانون الدولي. كما كان من أبرز المدافعين عن مشروع الوحدة الأوروبية، لكنه في الوقت نفسه انتقد ما اعتبره نقصاً في الديمقراطية داخل الاتحاد الأوروبي. وخلال أزمة اليورو، دعا إلى توسيع الاتحاد النقدي الأوروبي ليصبح شكلاً من أشكال الديمقراطية فوق الوطنية تتقاسم فيه الدول السيادة.
في سنواته الأخيرة، عبّر هابرماس عن قلقه من الوضع الدولي المتوتر. ففي كتاب صدر عام 2024 بعنوان “كان يجب أن يصبح شيء ما أفضل…”، انتقد ما وصفه بسيطرة منطق الحرب على تفكير النخب السياسية في الغرب. كما رأى أن الغرب لم ينجح في تقديم مبادرة مبكرة لوقف الحرب في أوكرانيا بعد الغزو الروسي، محذراً من أن استمرار الحرب دون أفق واضح قد يجعل مصير أوكرانيا مرتبطاً بنتائج الانتخابات الأمريكية.
خلال مسيرته الطويلة، حصل هابرماس على عدد كبير من الجوائز والتكريمات تقديراً لإسهاماته الفكرية. كما كُتب عن أعماله أكثر من 14 ألف كتاب ودراسة ومقال، من بينها عدد كبير من رسائل الدكتوراه. وكان عضواً في عدد من الأكاديميات العلمية في دول عدة مثل الولايات المتحدة وروسيا وإسرائيل. بل إن تأثيره تجاوز حدود الأرض نفسها، إذ أُطلق اسمه عام 1999 على كويكب اكتُشف في أطراف النظام الشمسي. وهكذا، حتى بعد رحيله، سيبقى اسم يورغن هابرماس حاضراً في تاريخ الفلسفة الحديثة، باعتباره أحد أبرز المفكرين الذين حاولوا فهم المجتمع والدفاع عن الديمقراطية في عالم معقد ومتغير.
ثقافة
منوعات
منوعات
سياسة