طلعة الربيع في ريف الحسكة: أمطار وفيرة تنعش جني الأعشاب البرية مبكرًا وتجدد التقاليد


هذا الخبر بعنوان "“طلعة الربيع” وجني الحشائش.. طقس يزدهر مبكرًا بريف الحسكة" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٥ آذار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في مشهد يتكرر سنويًا، ولكن هذه المرة مبكرًا، تصف وضحة خالد سعادتها بموسم وفير من حشائش الأرض الطبيعية التي تعتبر طقسًا ربيعيًا جاء قبل أوانه في ريف الحسكة هذا العام. تقول وضحة: “كنا نخرج مع أمهاتنا وجداتنا إلى الجبل لجمع الخبيزة والخريدلة والبابونج. كانت الرحلة نفسها نوعًا من النزهة، وفي الوقت ذاته نحضر ما نحتاج إليه من الأعشاب”. لا يقتصر جني الأعشاب على كونه نشاطًا اقتصاديًا أو غذائيًا فحسب، بل يرتبط بعادة اجتماعية يصفها الأهالي بـ”طلعة الربيع”، حيث تتجه العائلات أو مجموعات من النساء والرجال إلى البراري لجمع النباتات البرية.
مع اقتراب الربيع في محافظة الحسكة، تبدأ مساحات واسعة من البراري والسهول بالتلون بدرجات الأخضر، معلنة موسم الحشائش البرية الذي ينتظره الأهالي كل عام. هذا الموسم جاء مبكرًا على غير العادة، إذ ظهرت الحشائش والأعشاب في أواخر الشتاء نتيجة الأمطار الغزيرة التي شهدتها المنطقة، ما دفع كثيرًا من سكان الأرياف إلى التوجه نحو الحقول والجبال لجني نباتات موسمية مثل الخبيزة والخريدلة والكعوب والبابونج وغيرها. ويمثل هذا الموسم بالنسبة إلى كثير من أهالي الريف تقليدًا اجتماعيًا متوارثًا، ومصدرًا غذائيًا مهمًا يضيف نكهة خاصة إلى موائد الربيع، فضلًا عن فوائده الصحية والطبية التي يعرفها السكان منذ أجيال.
شهدت محافظة الحسكة خلال الشتاء الحالي هطولات مطرية غزيرة نسبيًا مقارنة بالسنوات الماضية، ما ساعد على إنبات الأعشاب البرية بشكل مبكر. ومع نهاية شباط وبداية آذار، بدأت هذه النباتات بالظهور في أطراف الأراضي الزراعية المفتوحة وسفوح التلال والمناطق الجبلية. أكد محمود الحسين، من ريف جبل عبد العزيز غرب الحسكة، أن ظهور الحشائش هذا العام كان لافتًا، إذ بدأ الأهالي بجنيها قبل الموعد المعتاد بنحو أسبوعين أو ثلاثة أسابيع. وأضاف محمود: “عادة نبدأ بجني الخبيزة والكعوب في منتصف آذار، لكن هذا العام بدأنا منذ نهاية شباط تقريبًا، بسبب الأمطار الغزيرة التي سقطت في الشتاء”.
تنتشر الحشائش على أطراف الأراضي الزراعية والطرق، وتعد جزءًا من الغطاء النباتي الطبيعي في المنطقة. يحرص الأهالي على جمعها في ساعات الصباح الباكر، حين تكون الأوراق أكثر طراوة ونضارة. تنمو كثير من الأعشاب البرية في أواخر الشتاء وبداية الربيع في المناطق الريفية، مستفيدة من دفء الطقس بعد الأمطار، وهو ما يجعل هذه الفترة موسمًا رئيسًا لجمعها واستخدامها في الطعام أو الطب الشعبي.
وضحة خالد، وهي ربة منزل من قرية قرب جبل عبد العزيز، أشارت إلى أن هذه العادة تعود إلى عشرات السنين في المنطقة. وأضافت أن النساء غالبًا ما يكن الأكثر خبرة في معرفة الأعشاب الصالحة للأكل من غيرها، إذ يعتمدن على شكل الأوراق والرائحة ومكان النمو لتمييزها. وتابعت: “هناك أعشاب تشبه بعضها، لكن ليست كلها صالحة للأكل. لذلك الخبرة مهمة جدًا، وغالبًا ما تتعلمها البنات من أمهاتهن”. وفي كثير من القرى، تتحول هذه الرحلات إلى نشاط جماعي، إذ تتجمع عدة عائلات في يوم واحد وتذهب إلى الحقول القريبة لجمع الأعشاب، قبل العودة لتحضيرها في المنزل.
تحضر الحشائش والأعشاب البرية بقوة في مطبخ ريف الحسكة خلال فصل الربيع، إذ تدخل في إعداد العديد من الأطباق الشعبية، بحسب ما قالته وردة العلي، من منطقة طابان شرق الحسكة، مشيرة إلى أن الخبيزة تعد من أشهر الأعشاب التي تستخدم في الطبخ. تشرح وردة: “نطهو الخبيزة مع البصل والسمن، وأحيانًا نضيف البيض أو البرغل بجانبها. كما يمكن استخدامها في الحساء”. وأضافت أن الكعوب أيضًا من النباتات التي يفضلها الأهالي، ويؤكل غالبًا بعد سلقه أو قليه مع البصل. أما الخريدلة فتدخل في إطار السلق سواء بالسمن أو الزيت، بحسب ما يفضله أفراد الأسرة. هذه الأطعمة ليست مجرد وجبات موسمية، بل ترتبط بذكريات الطفولة والربيع في القرى، بحسب وردة، مضيفة: “حين نأكل هذه الأعشاب نشعر أننا عدنا إلى أيام زمان. هي جزء من حياتنا ومن تراث المنطقة”. وتعد الأعشاب البرية مصدرًا غذائيًا غنيًا بالفيتامينات والمعادن، ما يجعلها خيارًا صحيًا للأهالي خلال هذا الموسم، إضافة إلى كونها تنمو طبيعيًا دون أسمدة أو مبيدات.
إلى جانب استخدامها في الطعام، يعتمد كثير من سكان الريف على الأعشاب البرية في الطب الشعبي. قال عبد الله السالم، وهو من سكان ريف الحسكة الشرقي، إن بعض الأعشاب تُستخدم في تحضير “الزهورات” أو المشروبات العشبية. وأضاف: “نجمع البابونج ونقوم بتجفيفه، ثم نستخدمه لاحقًا في تحضير الشاي، خاصة لعلاج نزلات البرد أو آلام المعدة”. ويُعرف البابونج بخصائصه المهدئة وقدرته على تخفيف التشنجات والمغص، كما يُستخدم في الطب الشعبي لعلاج بعض مشكلات الجهاز الهضمي. كما تُستخدم الخبيزة في بعض المناطق لعلاج التهاب الحلق وتهدئة الجهاز الهضمي، إضافة إلى كونها نباتًا غذائيًا غنيًا بالعناصر المفيدة للجسم. ويؤكد الأهالي أن هذه الأعشاب كانت في الماضي بمثابة “صيدلية طبيعية”، خاصة في القرى التي كانت تفتقر إلى المراكز الصحية.
بالنسبة لبعض العائلات، لا يقتصر جني الأعشاب على الاستهلاك المنزلي، بل يشكل مصدر دخل موسمي. قال أحمد العبد الله، من ريف الحسكة الجنوبي، إن بعض الأهالي يجمعون كميات كبيرة من الأعشاب ويبيعونها في أسواق المدينة، و”هناك من يجمع الخبيزة والبابونج ويذهب بها إلى سوق الهال أو يبيعها للبسطات في الحسكة أو الشدادي”. وتتفاوت الأسعار بحسب نوع الحشائش والأعشاب وكميتها، لكن الطلب على هذه النباتات يزداد في الربيع، خصوصًا مع إقبال الناس على الأطعمة التقليدية. وفي مناطق أخرى من سوريا، تحول جمع الحشائش والأعشاب البرية إلى مصدر دخل مهم لبعض العائلات، إذ تقوم ببيعها طازجة أو بعد تجفيفها.
رغم اندفاع الناس لجمع حشائش الربيع، فإن هذا العام يحمل مخاطر إضافية في بعض مناطق ريف الحسكة، خاصة في جبل عبد العزيز. وقال سالم العلي، من إحدى قرى الجبل، إن انتشار الألغام ومخلفات الحرب في بعض المناطق المفتوحة يجعل عملية جمع الأعشاب محفوفة بالمخاطر، و”هناك مناطق واسعة لم يتم تمشيطها بالكامل، وبعض الناس يذهبون إلى أماكن بعيدة لجمع الأعشاب، وهذا قد يعرضهم للخطر”. وأشار إلى وقوع حوادث خلال الأسابيع الماضية نتيجة انفجار ألغام في أثناء تنقل الأهالي في البراري. سكان في المنطقة ذكروا أن بعض الضحايا كانوا من الأشخاص الذين خرجوا لجمع الأعشاب أو رعي المواشي في المناطق الجبلية. وتطالب العائلات الجهات المعنية بتكثيف عمليات إزالة الألغام، خاصة في المناطق التي يقصدها الأهالي في فصل الربيع. على الرغم من هذه المخاطر، يصر كثير من أهالي ريف الحسكة على مواصلة هذه العادة السنوية. قالت وضحة خالد: “نحن تربينا على هذه العادة، ومن الصعب أن نتخلى عنها، لكننا نحاول أن نكون حذرين ونذهب إلى الأماكن المعروفة فقط”. ويرى الأهالي أن الحفاظ على هذا التقليد يمثل نوعًا من التمسك بالحياة الطبيعية رغم سنوات الحرب والتغيرات التي شهدتها المنطقة. ومع استمرار الأمطار ونمو النباتات البرية، يتوقع أن يستمر موسم جني الحشائش والأعشاب في ريف الحسكة لعدة أسابيع أخرى، لتبقى هذه النباتات الخضراء علامة مميزة لبداية الربيع، ومصدرًا للغذاء والذكريات والتراث لدى سكان المنطقة.
سوريا محلي
سوريا محلي
سوريا محلي
سوريا محلي