الطموح المهني للمرأة وتحديات العلاقة الزوجية في المجتمعات الحديثة: رؤى استشارية لتجاوز الصراع


هذا الخبر بعنوان "الصراع بين الطموح المهني والأسرة وأثره في العلاقة الزوجية" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٥ آذار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
عنب بلدي – شعبان شاميه
لم تعد العلاقات الزوجية في المجتمعات المعاصرة مجرد حيز خاص يجمع شخصين، بل غدت انعكاسًا للتحولات الاجتماعية والثقافية العميقة التي يشهدها المجتمع ككل. فمع تبدل الأدوار التقليدية بين الرجل والمرأة، وتنامي حضور المرأة في الساحتين المهنية والاقتصادية، بدأت تظهر تساؤلات جوهرية حول ماهية الشراكة الأسرية، وحدود الاستقلالية الفردية، وطبيعة السلطة العاطفية بين الزوجين.
هذه التغيرات لم تسِر دائمًا بسلاسة، بل كشفت عن توترات ضمنية بين ما هو مألوف اجتماعيًا وما يفرضه الواقع الجديد. وفي هذا الإطار، يتصاعد النقاش في الأوساط الثقافية والاجتماعية حول قضايا حساسة مثل الثقة المتبادلة، والغيرة، والتوقعات المجتمعية من كل من الرجل والمرأة، إضافة إلى الصراع غير المعلن بين الطموح المهني ومتطلبات الحياة العائلية. فهل لا تزال مفاهيم السيطرة والأدوار النمطية تهيمن على النظرة للعلاقة الزوجية؟ وهل يمكن لنجاح أحد الشريكين أن يتحول إلى مصدر قلق للطرف الآخر بدلًا من أن يكون مدعاة للفخر المشترك؟
توضح الاستشارية النفسية الأسرية، الدكتورة هبة كمال العرنوس، في تصريح خاص لـ عنب بلدي، أن تحول بعض العلاقات الزوجية التي تبدو مستقرة ظاهريًا إلى علاقات مشوبة بالشك والتوتر يعود إلى تراكمات صغيرة لم تُعالج. وتؤكد العرنوس أن الشك قلما ينشأ من فراغ، فغياب الحوار الصريح لفترات طويلة يفسح المجال للتأويلات الشخصية للسيطرة على المواقف اليومية، حيث يميل الإنسان بطبيعته إلى ملء الفراغات بالمخاوف بدلًا من الطمأنينة. لذا، فإن العلاقات التي تفتقر إلى الشفافية العاطفية تكون أكثر عرضة للشك، حتى في غياب مسببات حقيقية.
وتشير الاستشارية إلى أن الشك قد يتحول في بعض الحالات إلى أداة غير واعية للسيطرة. فعندما يفتقر أحد الشريكين إلى الأمان الداخلي، قد يسعى للتحكم في حياة الطرف الآخر تحت ذريعة الحماية أو القلق. وتلفت العرنوس إلى أن هذا السلوك غالبًا ما يعكس خوفًا عميقًا من الفقدان أو من تراجع المكانة ضمن العلاقة الزوجية.
توضح العرنوس أن النجاح المهني البارز للمرأة قد يثير حساسية لدى بعض الرجال، نظرًا لأن هذا النجاح يصطدم بمنظومة فكرية قديمة رسخت فكرة أن الرجل هو المصدر الأساسي للقوة والإنجاز في الأسرة. وعندما تتغير هذه المعادلة، قد يشعر بعض الرجال بتهديد لهويتهم التقليدية، مؤكدة أن الإشكالية لا تكمن في نجاح المرأة بحد ذاته، بل في النظرة المحدودة لدور الرجل.
وفيما يتعلق بتحول استقلالية المرأة المهنية إلى مصدر توتر أسري، ترى الاستشارية أن التوتر لا ينبع من الاستقلالية ذاتها، بل من غياب التوازن في التوقعات بين الشريكين. فإذا اعتبر أحد الطرفين العمل وسيلة لتحقيق الذات، بينما رآه الآخر تهديدًا للحياة الأسرية، فإن الصراعات ستنشأ حتمًا. وتشدد العرنوس على أن الحل لا يكمن في تقليص الطموح، بل في إعادة صياغة مفهوم الشراكة داخل الأسرة.
تؤكد العرنوس أن المجتمع يضطلع بدور محوري في تأجيج صراع خفي بين الرجل والمرأة حول العمل والنجاح. فكثير من الأفراد، رجالًا ونساءً، لا يتصرفون وفقًا لرغباتهم الحقيقية، بل استنادًا إلى ما يعتقدون أن المجتمع يتوقعه منهم. وتشير الاستشارية إلى أن الرجل قد يشعر بضرورة أن يكون المسيطر دائمًا، بينما قد تشعر المرأة بالذنب تجاه طموحها المهني. وتعتبر أن هذه التوقعات الاجتماعية قادرة على إحداث توتر حتى في العلاقات القائمة على الحب الصادق.
وفي معرض حديثها عن تقبل المجتمع لنجاح الرجل بسهولة أكبر من نجاح المرأة، توضح العرنوس أن الصورة النمطية للنجاح قد تشكلت تاريخيًا حول الرجل. فعندما يحقق الرجل النجاح، يُنظر إليه على أنه يؤدي دوره الطبيعي، بينما يُنظر إلى نجاح المرأة أحيانًا كخروج عن الدور المتوقع منها. ورغم أن هذه الفكرة تشهد تغيرًا تدريجيًا، إلا أنها لا تزال راسخة في العديد من البيئات الاجتماعية، بحسب الاستشارية.
تتناول العرنوس تأثير الغيرة عندما تمتزج بمفهوم "الملكية العاطفية" في إطار الزواج. فالغيرة الطبيعية قد تكون دلالة على الاهتمام، لكنها تتحول إلى خطر حقيقي عندما تتطور إلى شعور بالملكية المطلقة. وعندما يعتقد أحد الشريكين أن له الحق في التحكم الكامل بحياة الآخر، تتحول العلاقة من شراكة ندية إلى علاقة سلطة، مما يؤدي إلى فقدان الاحترام المتبادل، وفقًا للاستشارية.
وعن دور الضغوط المهنية والاجتماعية في إحداث سوء فهم عاطفي داخل الزواج، تشير العرنوس إلى أن الضغط النفسي يزيد من حساسية الإنسان ويقلل من قدرته على تفسير الأمور بموضوعية. فعندما يكون أحد الزوجين منهكًا أو منشغلًا ذهنيًا، قد يفسر الطرف الآخر هذا الانشغال على أنه إهمال أو تغير في المشاعر، في حين أن السبب الحقيقي قد يكون مجرد ضغوطات الحياة اليومية.
تنصح الاستشارية الأزواج بضرورة تجاوز صراع الأدوار التقليدية بين الرجل والمرأة، من خلال إدراك أن الزواج الحديث يقوم على مبدأ الشراكة لا على توزيع جامد للأدوار. فبإمكان الرجل أن يكون داعمًا، وبإمكان المرأة أن تكون طموحة، دون أن يؤثر ذلك على مكانة أي منهما داخل العلاقة. وتؤكد العرنوس أنه عندما يكون الهدف المشترك هو بناء حياة زوجية ناجحة، تتلاشى فكرة الصراع.
وتختتم الاستشارية النفسية الأسرية حديثها لـ عنب بلدي برسالة جوهرية للأزواج في عصر تتسارع فيه وتيرة التغيرات الاجتماعية: العلاقة الصحية لا تُبنى على من يمتلك السلطة الأكبر، بل على من يمتلك القدرة الأعمق على الفهم والتعاطف. فعندما يشعر كل طرف بدعم الآخر واحترامه لطموحاته، تصبح العلاقة أكثر استقرارًا ومتانة، حتى في خضم التحولات الاجتماعية الكبرى.
منوعات
منوعات
منوعات
منوعات