سوريا: تحولات الدور الإقليمي بين التدخل السابق وتوجه التنمية اللاحق


هذا الخبر بعنوان "انحسار الدور السوري الإقليمي .. توجّه نحو التنمية مقابل خسارة أوراق الضغط" نشر أولاً على موقع snacksyrian وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٦ آذار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
شهد الدور الإقليمي لسوريا انحساراً ملحوظاً منذ اندلاع الثورة عام 2011، متحولةً من دولة تتدخل في شؤون جيرانها إلى بلدٍ ينكفئ على نفسه في محاولة لحل أزماته الداخلية. تختلف الرؤى حول الدور الذي اضطلعت به سوريا في عهد نظام الأسد الأب والابن؛ فبينما يرى البعض أنه كان دوراً تخريبياً يصدّر الأزمات والمشاكل لدول الجوار، يرى آخرون أنه منح البلاد وزناً إقليمياً ودوراً سياسياً يفوق حجمها الجغرافي والاقتصادي.
من الأمثلة البارزة على التدخلات السورية، دخول الجيش السوري إلى لبنان عام 1976 ضمن قوات الردع العربية، حيث أصبح من المستحيل وصول أي شخص إلى رئاسة الجمهورية اللبنانية دون موافقة دمشق. حتى وصول بشير الجميّل إلى سدة الرئاسة اللبنانية، رغم رفض النظام السوري، انتهى باغتياله على يد حبيب الشرتوني من الحزب السوري القومي الاجتماعي بدعم وتدبير من المخابرات السورية، وفقاً للروايات التاريخية. استمرت سيطرة النظام السوري على التعيينات في لبنان لأربعة عقود، وانتهت بخروجه العسكري عام 2005، لكنه حافظ على دور أقل عبر حلفائه اللبنانيين حتى عام 2011 حين بدأ الانحسار.
لم يقلّ الأذى الذي ألحقه التدخل السوري في لبنان عن مثيله على مستوى القضية الفلسطينية، حيث دفعت خلافات حافظ الأسد مع ياسر عرفات النظام السوري لخلق انشقاقات داخل المنظمات الفلسطينية، وإنشاء كيانات تدين بالولاء له مثل الجبهة الشعبية- القيادة العامة أو فتح الانتفاضة. كما احتضن تنظيمات مثل حماس والجهاد الإسلامي بهدف السيطرة على القرار الفلسطيني والتحدث باسم الفلسطينيين في أي مفاوضات أو محادثات سلام.
من الأمثلة الأخرى على التدخلات السورية، الدخول العسكري إلى الأردن عام 1970 لدعم جيش التحرير الفلسطيني، وتأييد إيران في حربها ضد العراق ودعم التيارات العراقية المعارضة لصدام حسين مثل حزب الدعوة، ودعم حزب العمال الكردستاني ضد تركيا، وغيرها العديد من صور التدخل الذي اتّسم بإلحاق الضرر بالدول المحيطة كورقة ضغط منحت النظام السوري قوة أكبر من حجمه.
مع اندلاع الثورة السورية في آذار 2011، سرعان ما تحوّلت سوريا من دولة تتدخل في شؤون جوارها إلى ساحة لتدخلات الدول الخارجية. سارعت دول العالم، ابتداءً من تركيا والدول العربية وصولاً إلى الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، لمطالبة النظام السوري بالسماع لمطالب المتظاهرين والجلوس على طاولة الحوار مع المعارضة، لكنه رفض تلك الدعوات واختار الحلّ الأمني والعسكري لقمع الثورة.
انقسمت أدوار الدول الخارجية تجاه سوريا بسرعة، فانحازت معظم الدول العربية والأجنبية للثورة واتخذت موقفاً مناهضاً للنظام بوضوح، مقابل مساندة دول مثل إيران وروسيا والصين للنظام. لم يمضِ الكثير من الوقت حتى تحوّلت مواقف الدول السياسية إلى تدخلات عسكرية مباشرة، فتحوّلت الأراضي السورية خلال سنوات إلى ساحة تضم قوات تركية في الشمال، وروسية وإيرانية ولبنانية/حزب الله وعراقية/ الحشد الشعبي في مناطق سيطرة النظام، وأمريكية/ أوروبية في البادية والجنوب، ومقاتلين أجانب في صفوف فصائل المعارضة المسلحة، فضلاً عن دعم دول عربية مثل السعودية وقطر لفصائل محددة من المعارضة السورية عسكرياً ومالياً.
فقد النظام السوري قوة أذرعه الإقليمية وتدخلات مخابراته في شؤون دول المنطقة، وانكفأ إلى الداخل بسرعة كشفت هشاشة ما زعمه من قوة سابقاً، ثم تحوّل إلى الحاجة لدعم خارجي في مواجهة المعارضة التي حظيت كذلك بدعم الخارج وتمويله وتسليحه. وبينما لا يزال الغموض يلفّ الكثير من تفاصيل ليلة سقوط النظام وهروب بشار الأسد، إلا أن الكثير من الروايات تتحدث عن توافقات دولية تضمنت موافقة روسية أوصلت النظام لنهايته في 8 كانون الأول 2024، ما يظهر حجم انكشاف الساحة السورية على أجندات الدول الكبرى.
في هذا السياق، أكّد الرئيس الانتقالي أحمد الشرع في أكثر من مناسبة أن سوريا لن تكون مصدر إزعاج لدول الجوار، في إشارةٍ منه إلى وقف العمل بسياسات النظام السابق تجاه دول المنطقة، لا سيما لبنان الذي يعدّ صاحب التجربة الأقسى مع نظام الأسد. وبحسب الشرع، فإن سوريا اليوم تبني علاقات استراتيجية مع دول الجوار وغايتها التنمية الاقتصادية، بعد أن تعب السوريون من حالة الحروب. وأضاف أنه لن يضع سوريا في وضعٍ منفّرٍ لحالة الدول، في إشارة منه إلى أن السياسة الخارجية السورية المستقبلية ستتجه نحو الاهتمام بالتنمية وبناء تحالفات اقتصادية تمنح سوريا دوراً إقليمياً من بوابة الاقتصاد بدلاً من الدور المخابراتي والعسكري الذي كانت تلعبه سابقاً، وتتجنّب بذلك تبعات انقسام الإقليم وتقلّبات المنطقة وتوازناتها. وربما يبرز في هذه الأيام الجانب الإيجابي من انحسار الدور السوري إقليمياً وخروج سوريا من صراع المحاور، حيث تجنّبت خطر الوقوع في خضم الحرب الأمريكية الإسرائيلية مع إيران، والتي ضربت تأثيراتها عدة دول خليجية وعربية وصولاً إلى قبرص وأذربيجان.
في المقابل، خسرت سوريا وزنها الإقليمي بخسارة أوراق الضغط التي كانت تملكها، والتحوّل من دور فاعل إلى مفعول به، لا سيما إن تهاونت في المسائل السيادية مثل الاعتماد على تركيا في توريد الكهرباء أو على مصر والأردن في توريد الغاز أو على التمويل الخليجي للمشاريع الاستثمارية، دون تنويع مصادر الطاقة والاستيراد والحفاظ على توازن في العلاقات مع كافة الأطراف. كما يرى البعض أن هذا الانكفاء أفقد دمشق ما يمكن تسميته بـ"هيبة سوريا" إقليمياً، والذي يضعف موقفها في أي مفاوضات مستقبلية، لا سيما في ملف التفاوض مع كيان الاحتلال، والذي لم تعد تملك فيه دمشق أوراق قوة تمكّنها من الضغط على الاحتلال للاستجابة لمطالبها، خاصة فيما يتعلق بتراجع قوات الاحتلال عن المواقع التي احتلتها بعد سقوط نظام الأسد.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة