من إدارة البيت إلى حكم الدولة: لماذا تعد المشاركة في صنع القرار ضرورة لا رفاهية؟


هذا الخبر بعنوان "المشاركة في صنع القرار: عندما يشبه حكم الدولة إدارة البيت" نشر أولاً على موقع snacksyrian وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٦ آذار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في العديد من البيوت، لا يستهل النقاش بسؤال مفتوح مثل "ما رأيكم؟"، بل غالباً ما يُحسم الأمر بعبارة قاطعة "هكذا سيكون الحال". فكثيراً ما يتخذ الأب القرار منفرداً، ويُطلب من بقية أفراد الأسرة، كالأم والأبناء، التكيف مع النتائج. هذا النموذج يمكن أن ينسحب تماماً على عملية صنع القرار داخل الدولة، حيث يتخذ المسؤولون القرارات ويُفترض بالشعب أن يتكيف معها.
بقلم رحاب تامر، سناك سوري.
قد تتنوع القرارات الأسرية بين أمور بسيطة كاختيار مدرسة، أو تحديد كيفية إنفاق المال، وصولاً إلى السماح لأحد الأبناء بمتابعة دراسة أو مهنة معينة. في مثل هذه الحالات، غالباً ما تكون السلطة هي المحرك الأساسي للقرار لا النقاش، فالأب يُنظر إليه كصاحب الكلمة الفصل داخل الأسرة. ومع ذلك، فإن هذا المثال المنزلي البسيط يقدم مدخلاً لفهم مفهوم أوسع وأكثر تعقيداً: المشاركة في صنع القرار.
تماماً كما لا يُفترض بالأب أن يتخذ قراراً مالياً كبيراً داخل المنزل دون استشارة بقية أفراد الأسرة والبحث عن بدائل، كذلك يُفترض بالدولة أن توضح خياراتها وتستمع إلى آراء المجتمع قبل اتخاذ قرارات تؤثر في حياة الملايين. عندما يكون القرار فردياً في الأسرة، قد تسير الأمور بسرعة، لكن هذا لا يضمن بالضرورة أن يكون القرار هو الأمثل للجميع. فغياب النقاش يحجب التجارب والاحتياجات المتنوعة لأفراد الأسرة عن الوصول إلى القرار النهائي.
قد تلاحظ الأم جوانب غائبة عن الأب، وقد يعيش الابن أو الابنة واقعاً مغايراً تماماً. وعندما يغيب الحوار، يختفي هذا التنوع في الرؤى، وهو ما ينطبق بدرجة أكبر على مستوى الدولة.
من البيت إلى الدولة: أهمية المشاركة
تدير الدولة، شأنها شأن الأسرة، شؤون مجتمع كامل يشمل التعليم والعمل والاقتصاد والخدمات وغيرها. لكن الفارق الجوهري يكمن في أن قرارات الدولة لا تمس بضعة أفراد فحسب، بل تؤثر في حياة ملايين البشر. عندما تُتخذ هذه القرارات دون إشراك المجتمع أو الاستماع إلى مختلف فئاته، فإنها تشبه إلى حد كبير البيت الذي يُدار بقرار فردي واحد. من هنا، برز مفهوم المشاركة في صنع القرار كضرورة حتمية.
تعني المشاركة في صنع القرار ألا تكون القرارات العامة نتاج رأي جهة واحدة فقط، بل ثمرة نقاش واسع يشارك فيه المواطنون أو ممثلوهم. ولتوضيح هذا المفهوم، يمكن النظر إلى مثال يومي ملموس كالقرارات الاقتصادية الكبرى التي تمس حياة الناس مباشرة، مثل رفع تعرفة الكهرباء. فمثل هذه القرارات لا تقتصر آثارها على الفاتورة الشهرية، بل تمتد لتشمل تفاصيل متعددة في حياة الأسر، من تكلفة تشغيل الأجهزة المنزلية إلى ارتفاع أسعار السلع والخدمات تبعاً لزيادة كلفة الطاقة.
في مثل هذه الحالات، يقتضي مفهوم المشاركة في صنع القرار ألا يكون القرار مفاجئاً أو أحادياً، بل نتاج حوار مجتمعي أوسع. يمكن تحقيق ذلك من خلال توضيح أسباب القرار للرأي العام، وفتح باب النقاش حول توقيته أو آليات تخفيف آثاره على الفئات الأكثر تضرراً. فالمواطنون، شأنهم شأن أفراد الأسرة، هم أول من يتحمل تبعات القرار، ومن المنطقي أن يكون لهم صوت في النقاش حوله. وكما لا يُفترض بالأب أن يتخذ قراراً مالياً كبيراً دون التشاور مع أفراد أسرته والبحث عن بدائل، كذلك يُفترض بالدولة أن تشرح خياراتها وتستمع إلى آراء المجتمع قبل اتخاذ قرارات تمس حياة الملايين.
ما المقصود بالمشاركة؟
المشاركة في صنع القرار تعني ببساطة أن القرارات العامة ليست نتاج رأي جهة واحدة فقط، بل هي ثمرة نقاش أوسع يشارك فيه المواطنون أو ممثلوهم. يمكن أن تتجسد هذه المشاركة عبر الانتخابات، أو المجالس المنتخبة، أو النقابات، أو النقاشات العامة حول السياسات. الفكرة الأساسية هي أن الأفراد الذين سيتأثرون بالقرار يجب أن يكون لهم صوت في صياغته. لا تعني المشاركة أن يقرر الجميع كل شيء بأنفسهم، بل تعني أن القرار لا يُفرض من الأعلى فحسب، بل يُبنى من الأسفل على أساس الحوار وتبادل الآراء.
لماذا التشاركية مهمة؟
قد يبدو الانتقال من الأسرة إلى الدولة قفزة كبيرة، لكن الفكرة الجوهرية واحدة: البيت الذي يفسح المجال للحوار بين أفراده ينمي شعوراً بالمسؤولية المشتركة، بينما البيت الذي يعتمد على القرار الفردي قد يفرض بفعل السلطة، لكنه يظل محدود الرؤية. وينطبق الأمر ذاته على المجتمعات. إن القرارات التي تُصنع بمشاركة أوسع تكون عادة أقرب إلى الواقع، فكل فئة من المجتمع ترى جزءاً مختلفاً من الصورة. العامل يرى ما لا يراه صاحب العمل، والطالب يدرك ما قد يغفل عنه المسؤول، وقد تلاحظ النساء ما لا ينتبه إليه الرجال. وعندما تتجمع هذه الرؤى المتنوعة، يصبح القرار أكثر توازناً وشمولية.
لذلك، فإن الحديث عن المشاركة في صنع القرار ليس مجرد مفهوم سياسي نظري، بل هو فكرة بسيطة يمكن استيعابها من خلال التجربة اليومية التي يعيشها الكثيرون، والتي تظهر الفارق بين بيت تُفرض فيه القرارات وبيت تُصنع فيه القرارات بالحوار والمشاركة.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة