جدل استثمار حدائق دمشق: المحافظة تبرر بـ5% وخبراء يحذرون من تحويلها لمشاريع تجارية


هذا الخبر بعنوان "تأهيل “عصري” لحدائق دمشق .. مهمة المحافظة أم مستثمري “الأكشاك”؟" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٧ آذار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في الرابع عشر من آذار، أصدرت محافظة دمشق توضيحاً بشأن الجدل الدائر حول استثمار الحدائق العامة في المدينة، مؤكدة أنها ستبقى مساحات خضراء مفتوحة ومجانية لجميع المواطنين. وأوضحت المحافظة، عبر صفحتها الرسمية على "فيسبوك"، أن الحديث عن استثمار بعض الحدائق لا يعني تحويلها إلى مشاريع تجارية بحتة، بل يقتصر على إشغال جزء محدود منها لا يتجاوز 5% من المساحة الإجمالية، وذلك لإقامة مرافق خدمية بسيطة كالكافتيريات أو الأكشاك أو المقاهي.
وأفادت المحافظة أن هذه المرافق ستكون ذات ارتفاع لا يتجاوز 6 أمتار، وخالية تماماً من الكتل الإسمنتية، وقابلة للفك والتركيب. ويُلزم المستثمر، مقابل ذلك، بإعادة تأهيل الحديقة وفق تصميم عصري وحضاري، بالإضافة إلى الصيانة الدورية للمساحات الخضراء، وتوفير أعمال السقاية والإنارة، وخدمات النظافة، وتجهيز أماكن الجلوس العامة، ومناطق الرياضة، وألعاب الأطفال. ويهدف هذا الإجراء، بحسب المحافظة، إلى تحسين الخدمات داخل الحدائق والحفاظ على جمالها واستدامة صيانتها، بما يتناسب مع المظهر الحضاري لمدينة دمشق. ومع ذلك، أثارت هذه التوجهات جدلاً واسعاً وتحذيرات من تحول المتنفسات الطبيعية إلى مشاريع تجارية تفقد هويتها المجتمعية.
من جانبه، أشار الخبير الاقتصادي مجدي الجاموس إلى رصده لحالات استثمار في حدائق بمدينتي درعا ودمشق، وصفها بأنها تتم بطرق قائمة على المحسوبية. وفي حديثه لـ"عنب بلدي"، اعتبر الجاموس أن لجوء الدولة إلى استثمار الحدائق العامة بهدف سد العجز المالي أو زيادة الإيرادات، يعد مؤشراً على عجزها عن تحقيق استثمارات اقتصادية حقيقية في قطاعات أخرى.
وشدد الجاموس على الدور الحيوي الذي تلعبه الحدائق العامة والمساحات الخضراء في تحسين جودة حياة السكان، مؤكداً أن توفير هذه المساحات يمثل حقاً أساسياً للمواطن على الدولة، خاصة لذوي الدخل المحدود. وأوضح أن أهمية هذه المساحات تكمن في كونها متنفسات طبيعية توفر هواءً نقياً بعيداً عن ضجيج المدن والعواصم، ومكاناً للاستجمام والراحة للسكان.
وأضاف الجاموس أن "التحسين محمود" إذا كان يهدف إلى توفير خدمة الدخول المجاني للحديقة والجلوس فيها بحرية، أما إذا كان التحسين من باب الاستثمار، فهو "أمر غير مقبول إطلاقاً". وأكد أن المساحات الخضراء تمثل ضرورة نفسية واجتماعية، ويجب على الدولة احترام خصوصيتها وضمان حق المواطن في الوصول إليها دون عوائق مادية، تماشياً مع الأعراف الدولية والإقليمية.
وفي سياق متصل، شدد مجدي الجاموس على أن الرؤية الحقيقية لتطوير هذه المرافق يجب أن تنبع من احترام البنية المجتمعية للحديقة، مع ضمان عدم تحويلها إلى مشاريع تجارية بحتة. ودعا إلى تقديم خدمات مرافقة تلبي احتياجات الزوار دون المساس بالهوية العامة للمكان، والحفاظ على المساحات المفتوحة كملجأ مجاني ومتاح للجميع.
واعتبر الجاموس أن فكرة الشراكة بين القطاعين العام والخاص لتطوير الحدائق وتحقيق إيرادات للدولة "غير مبررة"، وقد تؤدي إلى انحراف هذه المرافق عن غايتها الأساسية. واقترح نموذجاً بديلاً يركز على:
وعلى الرغم من تبرير محافظة دمشق لاستثمار 5% فقط من مساحة الحدائق بهدف تحسين الخدمات وصيانتها وتطويرها، يتساءل الجاموس: "من يضمن أن تبقى هذه الاستثمارات ضمن النسبة المحدودة؟". واعتبر أن طرح الحدائق للاستثمار بحد ذاته فكرة "غير مستحبة"، مقترحاً أن تكون الاستثمارات مرتبطة بالحياة المجتمعية، ويشارك فيها المواطنون عبر جمعيات محلية تمثل أهالي المنطقة المحيطة بالحديقة.
وحذر الجاموس من أن القرارات المتخذة على حساب المواطنين ذوي الدخل المحدود تمثل "مظلومية بحقهم"، وقد تؤدي إلى تحول هذه المناطق إلى مشاريع تجارية كبيرة نتيجة للمحسوبيات المتزايدة وغياب التخطيط الاستراتيجي المؤسسي. ودعا إلى العمل للحفاظ على خصوصية الحدائق العامة، وإخراجها من نطاق الاستثمارات الخاصة أو الحكومية، مؤكداً أن الدولة والمحافظة يجب أن تتحملا مسؤولية تحسين الحدائق وتطوير بنيتها التحتية وتوفير الخدمات اللازمة فيها.
واستعرض الجاموس تجارب دول أخرى، مثل تجربة السعودية في منطقة حائل، حيث يوجد أكثر من 1000 حديقة مجانية مجهزة بالكامل. وأكد أن هذه التجارب تثبت أهمية الحفاظ على جوهر الحديقة كمتنفس حيوي يعكس الهوية الاجتماعية والبيئية للمنطقة، محذراً من أن فقدان هذه الهوية يشكل تهديداً مباشراً لحقوق المواطنين في الاستفادة من هذه المرافق العامة. وأبدى الخبير الاقتصادي اعتراضه الشديد على أي محاولة لطرح هذه المساحات للاستثمار، حتى وإن كان ذلك بشكل جزئي.
وكانت محافظة دمشق قد أعلنت في وقت سابق عن طلب عروض لتأهيل وإدارة وتشغيل وصيانة وإشغال عدد من الحدائق ضمن عقود استثمارية تمتد لعشر سنوات. وتشمل هذه الحدائق: حدائق الورود والعدوي الكبير (ككتلة واحدة)، والإطفاء وابن عساكر (ككتلة واحدة)، بالإضافة إلى حدائق شهداء الدحاديل والزاهرة.
يذكر أن مدينة دمشق تضم ما يقارب 177 حديقة مفتوحة موزعة في أحيائها السكنية، وتتفاوت هذه الحدائق في مساحتها والخدمات المتوفرة فيها. ومن أبرزها حديقة "تشرين" التي تعد الأكبر مساحة، وحديقة "السبكي"، وحديقة "الجاحظ" في أبو رمانة. وتشير التقديرات إلى أن نسبة قليلة من هذه الحدائق ما زالت تحتفظ بالحد الأدنى من الخدمات، مما يجعلها قابلة للزيارة والاستخدام العام.
سوريا محلي
سوريا محلي
سوريا محلي
سوريا محلي