حرب الإخضاع ضد إيران: حسابات ترامب الخاطئة ومطامع النفط


هذا الخبر بعنوان "حرب الإخضاع والحسابات الخاطئة" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٧ آذار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
لم تبذل إدارة ترامب جهدًا واضحًا لتبرير عدوانها وعدوان إسرائيل على إيران، على عكس حملة البروباغندا التي ساقتها إدارة جورج بوش (الابن) حول امتلاك العراق أسلحة دمار شامل كذريعة لغزوه واحتلاله، والتي اعترفت بعدم وجودها لاحقًا. في المقابل، كشف تصريح وزير الخارجية العماني، بدر البوسعيدي، الذي اضطلع بدور الوسيط في المفاوضات الأمريكية-الإيرانية، عن إحراز "اختراق" حول برنامج طهران النووي. وأشار البوسعيدي إلى موافقة إيران على التوقف عن تخزين اليورانيوم المخصب، مع تحقق "كامل وشامل" من قبل الوكالة الدولية للطاقة الذرية، مما يعني أنها لن تمتلك أبدًا كميات كافية منه لصنع سلاح نووي. وستقوم إيران بخلط المخزونات الحالية إلى أدنى مستوى ممكن وتحويلها إلى وقود. اعتبر الوسيط العماني هذا الأمر تنازلًا كبيرًا وتغييرًا عن الاتفاق النووي الإيراني لعام 2015، الذي انسحب منه ترامب في ولايته الأولى. هذا التطور يتناقض بشكل صارخ مع تصريح ترامب، الذي سبق تصريح البوسعيدي بساعات، بأنه "غير راضٍ" عن المفاوضات وأن إيران "غير مستعدة لمنحنا ما نحتاج إليه".
عمليًا، تسعى الولايات المتحدة إلى استسلام غير مشروط من النظام الإيراني، بالإضافة إلى مجموعة من الأهداف التي تنوعت خلال أيام الحرب، وأخرى نوقشت في أروقة القرار. من بين هذه الأهداف السيطرة على جزيرة خرج، التي تُعد شريان الحياة النفطية لإيران، في محاكاة لتكرار عدوانها على فنزويلا بعد خطف رئيسها مادورو وزوجته والاستيلاء على نفط البلاد. وقد عبّر السيناتور ليندسي غراهام عن هذا التوجه في تصريح لشبكة "فوكس نيوز" في 8 من آذار الحالي، قائلًا: "فنزويلا وإيران تمتلكان معًا 31% من احتياطيات النفط في العالم. سنقيم شراكة تتحكم في 31% من الاحتياطيات المعروفة، وهو كابوس للصين، واستثمار جيد". سبق لترامب أن عبّر مرارًا عن هذا المنطق الاستعماري، كتصريحاته بأن ترك نفط العراق للعراقيين كان خطأ ارتكبته الولايات المتحدة حين خرجت من العراق، ونعت من انتقد كلامه بالحمقى.
ينم سلوك وخطاب إدارة ترامب خلال حربها وإسرائيل على إيران عن عدم فهم بنية النظام الإيراني. فالنظام مصمم وفق شبكة كثيفة من الهيئات والمؤسسات المتداخلة لتوفير المرونة والقدرة على امتصاص الصدمات وتجنب الانهيار وقت الأزمات. هذه دروس تعلمها القادة الإيرانيون من تاريخ بلادهم الحديث لتجنب الفراغ السياسي. فالفرضيات التي بنت عليها الإدارة الأمريكية وإسرائيل بأن "قطع الرأس" باغتيال المرشد وعدد من القادة سيؤدي إلى سقوط النظام أو ضعضعته، هو تقدير خاطئ. فالنظام قد يبدو مرتبطًا ارتباطًا وثيقًا بالأفراد، لكن بنيته تشكلت وفق ما تلخصه مقولة الخميني: "الحفاظ على الجمهورية الإسلامية أهم من الحفاظ على أي فرد، حتى لو كان ذلك الفرد إمام الزمان"، في إشارة إلى الإمام الثاني عشر لدى الشيعة، والملقب أيضًا بـ"المهدي المنتظر". إن انتخاب مجتبي خامنئي، القريب من "الحرس الثوري"، دليل آخر على سوء التقديرات الأمريكية.
تخوض إيران حربًا وجودية، وتظهر استعدادًا وتخطيطًا لها، فهي تستنزف خصميها بالأسلحة المنخفضة التكاليف كطائرة "شاهد 136" التي يتراوح سعرها بين 20 ألفًا و50 ألف دولار، بينما تستخدم الولايات المتحدة أسلحة مرتفعة الثمن كصاروخ "باتريوت PAC-3" الاعتراضي الذي يُقدّر سعره بنحو أربعة ملايين دولار. كما استخدمت إيران سلاح الطاقة، أحد أهم المحركات في الحرب، من خلال إدخال منشآت الطاقة حيز الاستهداف في دول الخليج، وإغلاق مضيق هرمز، والتهديد باستهداف الناقلات. تدرك إيران أيضًا أهمية الوقت بالنسبة للإدارة الأمريكية المقبلة على انتخابات نصفية للكونجرس في 3 من تشرين الثاني المقبل، حيث تواجه ارتفاعًا بأعداد الرافضين للحرب، كما تشير استطلاعات الرأي، وانقسامًا في التيار المحافظ وبضمنهم بعض أنصار ترامب من "حركة ماغا"، الذين يعتبرونها حرب نتنياهو بالدرجة الأولى، ولا تصب في مصلحة الأمن القومي الأمريكي، ومخالفة لوعود ترامب الانتخابية.
لا يملك ترامب خطة استراتيجية للحرب، ويتعامل مع تحدياتها ومخاطرها بالقطعة. فمثلًا، وفي ضوء أزمة الطاقة والإمدادات الحالية، ستستفيد موسكو من الضغط الحاصل على سوق النفط، بعد أن أعلن ترامب تخلي واشنطن عن بعض العقوبات المتعلقة بالنفط الروسي كوسيلة لضمان إمدادات نفطية كافية. وقد بدأ ذلك بإعفاء مؤقت لمدة 30 يومًا يتيح بيع النفط الروسي العالق حاليًا في البحر إلى الهند، وقد يسمح لاحقًا لبعض الدول بشراء النفط الروسي دون التعرض للعقوبات التي فرضتها واشنطن على قطاع الطاقة الروسي بعد اندلاع الحرب في أوكرانيا عام 2022.
لا تكتفي إدارة ترامب بتجاهل الأثر الذي تخلفه الحرب على الشعب الإيراني ودول المنطقة وعلى الاقتصاد والأمن الدوليين، بل على العكس من ذلك، هناك تحريض أمريكي ضد السعودية ودول الخليج لعدم استعدادهم للانخراط عسكريًا في هذه الحرب، إذ هدد ليندسي غراهام السعودية بتحمل عواقب عدم المشاركة. بالمقابل، يدرك العديد من مسؤولي تلك الدول بأن الحرب الحالية ضد إيران هي حرب نتنياهو، وأن زعزعة الأمن وتفتيت إيران هدفه تسيّد إسرائيل المطلق على كامل المنطقة. إن حربًا بدأت بقصف مدرسة ابتدائية للطفلات في مدينة ميناب الإيرانية بصواريخ توماهوك الأمريكية، ارتقى جراءها أكثر من 170 شخصًا، أغلبهم طفلات، وتحريض ودعم مجموعات عسكرية انفصالية لتفتيت الجغرافيا الإيرانية، واستدعاء رضا بهلوي ابن الدكتاتور السابق الذي قامت ضده الثورة الإيرانية، وتصديره على أنه وجه المعارضة الشعبية للنظام الثيوقراطي الإيراني الحالي المعادي للحريات، لا تنم إلا عن العقلية الاستعمارية التي لا تأبه بمصائر وإرادة الشعوب. وكيفما كانت مآلات حرب الإخضاع هذه، فإن الخاسر الأعظم هو الشعب الإيراني، الذي ثار ضد هذا النظام وقُمع مرات ومرات، ويتكبد اليوم الثمن الأكبر.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة