أميركا وإيران: ترامب يواجه معضلة الاستنزاف وخيارات واشنطن المريرة


هذا الخبر بعنوان "أميركا في مواجهة حرب الاستنزاف: أحلى الخيارات… مرّ" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٨ آذار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
بعد مرور أكثر من أسبوعين على بدء المواجهة الأميركية – الإسرائيلية ضد إيران، يجد الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، نفسه في موقف بالغ التعقيد، لا يقل صعوبة عن قرار الدخول في هذه المواجهة. فقد تحولت العملية العسكرية بسرعة إلى صراع إقليمي واسع، تتداخل فيه الأبعاد العسكرية والاقتصادية والسياسية، بالإضافة إلى العوامل الشخصية. لم يعد صانعو القرار في واشنطن يبحثون عن تحقيق نصر سريع، بل أصبح تركيزهم ينصب على تجنب الانزلاق إلى حرب طويلة ومكلفة. يبدو أن الأهداف المعلنة تفتقر إلى خطة تنفيذية واضحة، مما أدى إلى اتخاذ القرارات بناءً على التطورات اليومية والتعقيدات المتزايدة، دون وجود رؤية محددة لنهاية الصراع. ومع تصاعد هذه التعقيدات، بات من الصعب على الطرف الذي بادر بالحرب إنهاؤها بناءً على ما تحقق حتى الآن، والذي لا يتماشى مع الطموحات المعلنة، بينما لا تبرر التكاليف المتزايدة استمرار القتال.
تتضح هنا مساران رئيسيان أمام واشنطن: يتمثل الأول في مواصلة التصعيد العسكري بهدف تحقيق الأهداف المعلنة أميركياً وإسرائيلياً. إلا أن هذا الخيار ينطوي على مخاطر جمة، منها اتساع نطاق المواجهة، وتزايد الضغط على القوات الأميركية، وتفاقم التداعيات الاقتصادية والسياسية داخلياً وخارجياً، بالإضافة إلى احتمال تآكل دعم الحلفاء. أما المسار الثاني، فيقترح انسحاباً أميركياً تدريجياً مصحوباً برواية انتصار. هذا الخيار قد يقلل من التكاليف المباشرة على واشنطن، لكنه يثير تحديات خطيرة تتعلق بمصداقية الولايات المتحدة ومكانتها وتأثيرها على الساحة الدولية. كما أنه لا يقتصر على إظهار إيران كدولة صامدة فحسب، بل يمنحها أيضاً فرصة لإعادة بناء قدراتها، لا سيما في المجالين النووي والصاروخي، ويعزز نفوذها الإقليمي الذي سينتعش تلقائياً إذا خرج النظام الإيراني سالماً من هذه المواجهة. يبقى احتمال تحول الصراع إلى شكل من أشكال الاستنزاف غير المباشر قائماً.
في سياق التطورات المحتملة، يبرز إغلاق مضيق هرمز كعامل حاسم في مسار الحرب. فقد استغلت إيران موقعها الجغرافي الاستراتيجي لفرض سيطرتها على حركة التجارة العالمية، مما أدى إلى اضطراب كبير في إمدادات النفط نتيجة لتعطيل هذا الممر البحري الحيوي. ورغم محاولات التصريحات الأميركية التقليل من شأن هذه الخطوة، إلا أن طلب الولايات المتحدة من قوى دولية كبرى مثل الصين وفرنسا واليابان وبريطانيا وكوريا الجنوبية المساهمة في تأمين الملاحة في المضيق، يؤكد إدراك واشنطن بأن إدارة هذه الأزمة تتجاوز قدراتها المنفردة.
في موازاة ذلك، تظل قضية اليورانيوم المخصب في أصفهان عاملاً إضافياً يزيد من تعقيد سبل إنهاء الحرب، ويقوض أي رواية انتصار محتملة، بحسب ما يتردد في واشنطن. إن طبيعة التخزين المحصن لهذه المواد تقلل من فعالية الضربات الجوية ضدها، وتجعل أي تدخل بري للسيطرة عليها محفوفاً بمخاطر عالية، وهو ما يفسر التردد الأميركي في اتخاذ قرار حاسم بهذا الشأن.
من جهة أخرى، لا يمكن تجاهل مستوى التماسك الذي أظهرته إيران منذ اندلاع الحرب، على الرغم من الفارق الكبير في الإمكانات العسكرية والاقتصادية بينها وبين الولايات المتحدة وحلفائها. لا تشير المؤشرات الميدانية والسياسية إلى تراجع، بل تعكس قدرة على التكيف وإعادة التنظيم، مما يضمن استمرار صمودها. كما أن الرهان التقليدي على إثارة الاضطرابات داخل إيران لم يثبت فعاليته حتى الآن، حيث لم تظهر ديناميات داخلية قادرة على إحداث تغيير ملموس في سلوك النظام أو إضعاف قبضته. بل على العكس، يبدو أن لحظات المواجهة الخارجية تساهم في تعزيز التماسك الداخلي، مما يزيد من تعقيد حسابات واشنطن.
يضاف إلى ذلك، ظهور بوادر تباين داخل المعسكر الأميركي – الإسرائيلي، حيث تختلف الأولويات وحدود التصعيد. ففي حين تميل الولايات المتحدة نحو سياسة الاحتواء، تدفع إسرائيل باتجاه توسيع نطاق الضغط. هذا التباين يضع عقبات إضافية أمام واشنطن، وإن لم يصل إلى حد تهديد التحالف الاستراتيجي بينهما.
بناءً على هذه المعطيات، يمكن تصور عدة مسارات للمرحلة القادمة: أولاً، استمرار التصعيد المحدود لفترة قصيرة، ينتهي بعملية نوعية توفر لترامب مخرجاً سياسياً، يتبعها تقليص تدريجي للوجود العسكري، بالتوازي مع استمرار الضغط الاقتصادي. غير أن جميع الخيارات المتاحة لهذه "العملية النوعية" تبدو محفوفة بالمخاطر، مما يجعل صانع القرار متردداً بشأنها. ثانياً، تنفيذ ضربات مركزة تستهدف البنية التحتية المرتبطة بصادرات النفط الإيرانية، لتحقيق تأثير اقتصادي مباشر دون الحاجة إلى عمليات برية معقدة. لكن هذا المسار يواجه خطر الرد الإيراني الذي قد يعطل بدوره صادرات النفط في الخليج. ثالثاً، فتح قناة تفاوض غير مباشر، على الأرجح عبر الصين، نظراً لتأثيرها المعتبر على إيران، مما يسمح للطرفين بالخروج من المواجهة دون خسارة كاملة للمصداقية. إلا أن هذا السيناريو لن يُعتمد أميركياً إلا إذا بلغت خطورة تكلفة الخيارات البديلة مستوى يدفع واشنطن نحو هذا الخيار الأخير.
أما على المدى الأبعد، وفي حال لم تحسم الحرب عسكرياً – وهو السيناريو الأكثر ترجيحاً – فسيظل احتمال تحول الصراع إلى نمط من الاستنزاف غير المباشر قائماً، وذلك باستخدام أدوات اقتصادية وإلكترونية وأمنية، مقابل تراجع العمليات العسكرية المباشرة. يبدو أن الحرب تتجه نحو إعادة صياغة قواعد الاشتباك بدلاً من الحسم العسكري، بينما يسعى ترامب إلى الموازنة بين تجنب الاستنزاف والحفاظ على صورة الردع والاقتدار، خاصة وأن الخصم أظهر قدرة واضحة على الصمود والمناورة في وجه الضغط. وفي كل الأحوال، لن تقتصر نتائج المرحلة المقبلة على مسار الحرب ونهايتها، بل ستمتد لتعيد رسم توازنات إقليمية ودولية، وستبقى آثارها قائمة لسنوات قادمة.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة