العدالة الانتقالية في سوريا: تحدي الإفلات من العقاب ومخاطر تحولها إلى انتقام


هذا الخبر بعنوان "العدالة الانتقالية في سوريا.. بين الإفلات من العقاب وخطر الانتقام" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٨ آذار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في سوريا اليوم، لم تعد العدالة الانتقالية مجرد فكرة مؤجلة يمكن مناقشتها في المستقبل، بل أصبحت اختبارًا قاسيًا لضمير العالم، وتحديًا أصعب لقدرة المجتمع السوري ذاته على مواجهة الحقائق المريرة. فبعد مرور أكثر من عقد على ارتكاب جرائم واسعة النطاق، وثقتها منظمات دولية ومحلية، شملت القتل الجماعي والاعتقال والتعذيب والقتل تحت التعذيب، بالإضافة إلى التدمير المنهجي للمدن وتهجير ملايين المدنيين، لا يزال العديد من المسؤولين عن هذه الانتهاكات بعيدين عن أي مساءلة فعلية. بل إن بعضهم يعيش اليوم تحت مظلات حماية سياسية واضحة، مما يطرح سؤالًا يتجاوز مسألة العدالة بحد ذاتها: كيف يمكن الحديث عن مستقبل لسوريا بينما يفلت من صمموا آلة العنف وأداروها من أي حساب حقيقي؟
العدالة الانتقالية في جوهرها ليست مجرد شعار سياسي أو تعبير أخلاقي عن التضامن مع الضحايا. إنها عملية تاريخية معقدة تهدف إلى مواجهة الماضي بدل دفنه، وتحويل الذاكرة المؤلمة إلى أساس لنظام قانوني جديد يمنع تكرار الكارثة. وعادة ما ترتكز هذه العملية على أربعة عناصر رئيسية: كشف الحقيقة، والمحاسبة القضائية، وجبر الضرر للضحايا، وضمان عدم تكرار الانتهاكات. لكن في الحالة السورية، يصطدم هذا الإطار النظري بواقع سياسي أكثر قسوة.
فالكثير من الشخصيات التي ارتبط اسمها مباشرة بآلة العنف ما تزال بعيدة عن أي ملاحقة حقيقية. أسماء مثل بشار الأسد وماهر الأسد وسهيل الحسن ليست مجرد رموز في صراع سياسي، بل تمثل بنية كاملة من السلطة العسكرية والأمنية التي أدارت الحرب ضد المجتمع. ووجود هذه الشخصيات خارج أي مسار للمساءلة، أو تحت أي مظلة حماية سياسية في عواصم مثل موسكو، يطرح سؤالًا جوهريًا: كيف يمكن لعدالة انتقالية أن تبدأ بينما يقيم أبرز المتهمين بجرائم واسعة النطاق خارج متناول القانون؟
ربما يقدم التاريخ دروسًا واضحة في هذا الشأن، فالمجتمعات التي حاولت القفز فوق المحاسبة باسم الاستقرار أو الواقعية السياسية اكتشفت لاحقًا أن الإفلات من العقاب لا يلغي العنف، بل يتركه معلقًا في الذاكرة الجماعية، كما هو الحال في الواقع السوري، وجاهزًا للعودة في شكل آخر في أي لحظة. العدالة ليست رفاهًا أخلاقيًا يمكن تأجيله، بل هي شرط أساسي لإعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع.
ومع ذلك، فإن العدالة الانتقالية لا تتوقف عند حدود المؤسسات القضائية، فهناك بعد آخر أكثر هشاشة ولكنه لا يقل أهمية، وهو البعد الأخلاقي واللغوي داخل المجتمع نفسه. ففي كثير من النقاشات العامة، خاصة على المنصات الرقمية، يمكن ملاحظة تحول مقلق في اللغة التي يتحدث بها البعض عن العدالة. لم يعد النقاش يدور حول المحاسبة وكشف الحقيقة، بل بدأ يتسرب إليه خطاب يقوم على التشفي والإذلال والانتقام الرمزي. هذه اللغة تحديدًا ليست مجرد تعبير عن غضب مشروع، بل هي مؤشر على خطر أعمق، وهو خطر أن تتحول فكرة العدالة نفسها إلى شكل آخر من أشكال الانتقام.
الغضب في مجتمع عاش سنوات من القتل والاعتقال والتدمير أمر مفهوم بل وحتمي. لكن الفرق بين الغضب الأخلاقي والانتقام هو الفرق بين العدالة وإعادة إنتاج العنف. الغضب يمكن أن يكون قوة تدفع نحو كشف الحقيقة ومحاسبة الجناة، أما الانتقام فيختزل العدالة في لحظة عقاب ويعيد إنتاج المنطق نفسه الذي صنع المأساة في الأصل. حين تتحول اللغة إلى أداة لتجريد الآخر من إنسانيته، يصبح من السهل تبرير أي قسوة ضده، وفي تلك اللحظة تحديدًا تبدأ العدالة بفقدان معناها الأخلاقي داخل المجتمع.
المفارقة القاسية في الحالة السورية أن المجتمع يجد نفسه عالقًا بين واقعين متناقضين: فمن جهة، مجرمون كبار ما زالوا بعيدين عن أي مساءلة فعلية، ومن جهة أخرى، خطاب عام يزداد فيه حضور لغة القسوة والتشفي. وهذا التناقض خطير، لأنه يهدد بتحويل العدالة من مشروع لإعادة بناء المجتمع إلى مجرد لحظة انفجار عاطفي. العدالة الانتقالية الحقيقية ليست انتقامًا مؤجلًا، بل محاولة شاقة تعني محاسبة الجريمة دون تحويل العدالة نفسها إلى جريمة جديدة.
وفي الحالة السورية تحديدًا، تبدو المهمة أكثر تعقيدًا وشاقة جدًا، ولكنها ليست مستحيلة. فالمطلوب ليس فقط ملاحقة المسؤولين عن الجرائم أينما كانوا، سواء في دمشق أو في موسكو أو في أي مكان آخر، بل أيضًا حماية فكرة العدالة نفسها من الانهيار الأخلاقي. بشكل عام، المجتمعات التي تعيش حروبًا طويلة لا تخسر فقط مدنها وأرواحها، بل ربما تخسر أيضًا شيئًا آخر، وهو قدرتها على تخيل مستقبل لا تحكمه منطقية العنف. لهذا السبب، فإن معركة العدالة الانتقالية في سوريا ليست فقط معركة قانونية ضد الإفلات من العقاب، بل معركة أخلاقية وثقافية داخل المجتمع نفسه أيضًا. إنها معركة للحفاظ على فكرة بسيطة لكنها جوهرية، وهي أن العدالة يجب أن تحاسب الجريمة دون أن تتحول إلى نسخة أخرى منها. فالمستقبل الذي يُبنى على الانتقام لا يصنع عدالة، إنه فقط يمدد عمر المأساة!
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة