الذكرى الخامسة عشرة للثورة السورية: من شرارة درعا إلى سقوط نظام الأسد


هذا الخبر بعنوان "من درعا بدأت الحكاية.. وأسقطت نظام الأسد" نشر أولاً على موقع Syria 24 وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٩ آذار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
تحل اليوم الذكرى الخامسة عشرة لانطلاق الثورة السورية، التي لم تكن مجرد حدث سياسي عابر، بل قصة إنسانية عميقة نسجت فصولها بالألم والأمل معاً. لقد شهدت سنواتها الطويلة فصولاً من الفقد والتشرد والملاحقة الأمنية، لكنها في الوقت ذاته مثلت لحظة فارقة لكسر حاجز الصمت واستعادة معنى الكرامة. في تلك الفترة، كان السوريون يتابعون عن كثب التطورات في تونس ومصر وليبيا، ويراقبون تهاوي أنظمة الاستبداد في المنطقة. وفي خضم هذا المناخ، خطّ أطفال درعا على جدار مدرستهم العبارة الشهيرة: "إجاك الدور يا دكتور"، دون أن يعلموا أنهم بذلك يدشنون واحدة من أكثر المحطات تأثيراً في تاريخ سوريا الحديث.
ما بدا في البداية فعلاً عابراً، سرعان ما تحول إلى حدث مفصلي بعد اعتقال الأطفال من قبل الأجهزة الأمنية. ارتبط اسم هذه الواقعة لاحقاً بالمسؤول الأمني عاطف نجيب، وما رافقها من اتهامات بسوء المعاملة والإهانة. وفي الثامن عشر من مارس/آذار 2011، انطلقت أول مظاهرة من مسجد الحمزة والعباس في درعا البلد، مطالبة بالإفراج عن الأطفال المعتقلين. هذه المظاهرة سرعان ما تطورت خلال أسابيع قليلة لتشكل بداية حراك شعبي واسع امتد ليشمل معظم الجغرافيا السورية.
يروي ربيع أحمد المسالمة، الذي فقد شقيقين خلال سنوات الثورة، أن شقيقه علي كان أول من أطلق صيحة التكبير داخل المسجد، معبراً بقوله: "خرجنا وكسرنا حاجز الخوف… ولم نكن نعلم إلى أين ستصل الأمور، لكننا لسنا نادمين". وفي سياق متصل، يستذكر علاء الجوابرة مقتل شقيقه محمود، الذي كان أحد أوائل الضحايا، قرب دوار الكرك، مؤكداً: "خرج مطالباً بالكرامة فقط… فسقط برصاص حي".
شهدت سوريا، ما بين ربيع عام 2011 ونهايته، مرحلة تميزت بحراك سلمي واسع النطاق. في هذه الفترة، برزت التنسيقيات المحلية كشبكات شبابية فاعلة، تولت تنظيم المظاهرات، ونقل الأخبار، وتوثيق الانتهاكات. كما ظهرت أشكال مبتكرة من العمل المدني، مثل الصحافة المواطنية، والإضرابات، والأنشطة الفنية والثقافية. وقد رفعت الاحتجاجات مطالب واضحة، شملت إنهاء حالة الطوارئ، وإطلاق سراح المعتقلين، ومكافحة الفساد، والسعي نحو بناء نظام أكثر عدالة وتمثيلاً.
غير أن هذا المسار السلمي اصطدم بقمع أمني متصاعد، تجلى في الاعتقالات الواسعة، والاستخدام المفرط للقوة، واستهداف النشطاء والإعلاميين. وقد وثقت منظمات حقوقية دولية بارزة، مثل هيومن رايتس ووتش والعفو الدولية، هذه الانتهاكات، واعتبرتها عوامل رئيسية أدت إلى تحول مسار الأحداث لاحقاً.
مع حلول النصف الثاني من عام 2011، بدأت ملامح العسكرة تظهر تدريجياً، حيث سُجلت أولى الانشقاقات داخل الجيش السوري. تبع ذلك إعلان العقيد رياض الأسعد في التاسع والعشرين من يوليو/تموز 2011 تأسيس الجيش السوري الحر. وفي السنوات اللاحقة، برزت تشكيلات عسكرية متعددة في درعا وحمص والشمال السوري، منها كتيبة الفاروق ولواء التوحيد، إلا أن المشهد ظل يتسم بالتعددية وغياب القيادة المركزية الموحدة.
ازداد المشهد تعقيداً مع دخول عام 2013، حيث توسعت خريطة الفصائل المسلحة وظهر تنظيم داعش. وفي عام 2014، بدأ التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة بشن ضرباته في سوريا، تلاه التدخل العسكري الروسي المباشر في عام 2015، مما أدى إلى تغيير موازين القوى وكرّس التدويل الواسع للصراع.
بالتوازي مع التطورات العسكرية، شهدت البلاد محاولات سياسية متعددة، من مؤتمرات جنيف إلى محادثات أستانة. لكن هذه المسارات ظلت عاجزة عن تحقيق حل شامل، وذلك في ظل استمرار القصف والحصار والتهجير القسري في مناطق عدة، منها حمص القديمة وداريا وحلب الشرقية والغوطة الشرقية. كما بقي قرار مجلس الأمن 2254 إطاراً نظرياً، ولم يتحول إلى مسار منفذ على الأرض.
على مدى هذه السنوات، وثقت منظمات حقوقية سورية ودولية أنماطاً واسعة من الانتهاكات، شملت القتل خارج القانون، والاعتقال التعسفي، والإخفاء القسري، والتعذيب، بالإضافة إلى القصف الذي استهدف المناطق السكنية. وعلى الصعيد الإنساني، تجاوز عدد النازحين داخلياً 6.8 مليون شخص، بينما بلغ عدد اللاجئين خارج سوريا أكثر من 5.5 مليون شخص، مع استمرار حاجة أكثر من 16 مليون فرد إلى المساعدات داخل البلاد.
اقتصادياً، شهدت سوريا تراجعاً حاداً منذ عام 2011، تمثل في انهيار قيمة الليرة السورية، وتدهور القطاعات الإنتاجية، واتساع رقعة الفقر، حتى بات أكثر من 90% من السوريين يعيشون تحت خط الفقر، مع اعتماد واسع على المساعدات الإنسانية.
في السنوات التي سبقت سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر/كانون الأول 2024، بدت الساحة السورية وكأنها تشهد حالة من الجمود النسبي على خطوط التماس. لكن هذه المعادلة تغيرت مع انطلاق عملية عسكرية لفصائل المعارضة، عُرفت باسم "ردع العدوان"، والتي انتهت بالوصول إلى دمشق في الثامن من ديسمبر/كانون الأول 2024 وإعلان سقوط النظام.
في ختام هذا المسار الطويل، لا يمكن اختزال الثورة السورية في مجرد تسلسل أحداث سياسية أو عسكرية، بل هي قصة إنسانية عميقة ما تزال فصولها تُكتب. إنها قصة شعب واجه الخوف، ودفع أثماناً باهظة من دماء أبنائه وتشرد عائلاته، لكنه ظل متمسكاً بفكرة العدالة كأفق لا يمكن التخلي عنه. لقد رأى العديد من السوريين في الثورة السورية مبدأً لا حياد عنه، مؤكدين أن مواجهة الاستبداد ليست خياراً مؤقتاً، بل مساراً طويلاً من النضال، وأن الدولة التي تقوم على الخوف وملاحقة مواطنيها محكومة بالزوال، مهما طال الزمن.
وهكذا، تبقى هذه الذكرى، بما تحمله من ألم وذاكرة، تذكيراً بأن الكرامة ليست مجرد شعار عابر، بل هي حاجة إنسانية عميقة. كما تؤكد أن الفرح الحقيقي لا يكتمل إلا بتحقيق العدالة، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، واستعادة إنسانية الإنسان التي كانت، منذ البداية، جوهر هذه الحكاية.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة