إعادة إعمار القابون وجوبر: دعوة لحفظ الحقوق وتجنب أخطاء الماضي في دمشق


هذا الخبر بعنوان "إعادة إعمار القابون وجوبر: الحقوق أولاً.. والأمزجة لا مكان لها" نشر أولاً على موقع zamanalwsl وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٩ آذار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في خضم النقاشات المتزايدة حول إعادة إعمار المناطق المتضررة في سوريا، يبرز تساؤل جوهري حول الأسس التي يجب أن ترتكز عليها هذه العملية: هل تخضع لإملاءات المسؤولين وتصوراتهم الشخصية، أم تستند إلى مبادئ راسخة لا تحيد عنها؟ تشير التجارب السابقة إلى أن الخلل يبدأ عندما تُقدّم "الرؤية" على القانون، وعندما يصبح "هضم الحقوق" ثمناً مقبولاً لتحقيق ما يُسمى "التجميل" أو "التطوير".
تخوض دمشق اليوم تجربة إعادة إعمار هي الأولى من نوعها بعد سنوات الحرب، مما يضعها أمام مسؤولية تاريخية جسيمة. يتطلب هذا المشروع أن يكون صحيحاً، متكاملاً، وخالياً من الأخطاء. فالمطلوب هو دراسة متأنية وشاملة لجميع الجوانب، بعيداً عن التسرع في التنفيذ أو الضجيج الإعلامي الذي قد يثيره محافظ دمشق عبر لقاءات تلفزيونية واستقبال بعض الإعلاميين بهدف تلميع الصورة. إنها قضية شائكة تتطلب عمقاً في الطرح، وشفافية في التعامل، وإصغاءً حقيقياً لأصوات الأهالي؛ فالتسرع والانطباعات الإعلامية لا تصلح لبناء مدن، بل قد تخلق أزمات جديدة.
قبل الشروع في أي مشروع إعمار، وقبل رسم المخططات أو توزيع النسب، يجب الإقرار بحقيقة واحدة لا تقبل الجدل: حجر الزاوية في إعادة الإعمار هو حفظ حقوق الناس. إذا لم نكن قادرين على حفظ حقوق المواطنين، فالأولى ألا ندخل في ملف إعادة الإعمار على الإطلاق. فالدخول في هذا الملف بآليات مجحفة يعني ببساطة تكريس الظلم تحت عناوين براقة. إعادة الإعمار ليست عملية تخضع للأمزجة الشخصية، ولا للتصورات الفردية، ولا للقصص التي تُروى لتبرير ما لا يمكن تبريره. هناك من يرى أن الأهداف الكبرى، مثل تجميل المدينة أو تنظيمها أو تطويرها، تبرر التضحية بحقوق الناس. وهذا ما حدث تماماً في مشاريع سابقة مثل تنظيم كفر سوسة ومشروع باسيلا سيتي، حيث ضاعت حقوق الأهالي تحت شعار "التطوير"، وبقي المواطنون يرددون أن ما جرى كان "نهباً مقنناً".
نحن أمام مبدأ بسيط وواضح: الحقوق لا تُساوم. صاحب الحق هو أولى الناس بمكانه، وكما يقال "صاحب البيت أولى بالمكان". لا يمكن لإدارة محلية أن تخبر أهالي قضوا خمسين عاماً في أحيائهم: "سنعطيكم عشرين أو ثلاثين بالمائة مما تملكون، والباقي للمصلحة العامة". فأي مصلحة عامة تبيح هضم حق إنسان في منزله؟
من الناحية الشرعية، الملكية حق ثابت لا يسقط بالتقادم ولا يتغير بتغير التصنيفات الإدارية. سواء كانت الأرض مسجلة كـ"طابو زراعي" أو "طابو أخضر"، فالملكية قائمة وحقيقية. الشرع لا يفرق بين وثيقة وأخرى طالما أنها تثبت حقاً. فالرجل الذي اشترى أرضاً وبنى عليها منذ خمسين عاماً، وسكنها هو وأولاده، ودفع الضرائب والرسوم، هو المالك شرعاً وقانوناً.
القوانين الوضعية أيضاً تعترف بالملكية القائمة. فالبناء موجود، والصور الفوتوغرافية وصور الأقمار الصناعية تثبت وجوده منذ عقود. الكلفة التي دفعها الأهالي لبناء منازلهم حقيقية، والضرائب التي دفعوها لمحافظة دمشق طوال هذه السنوات هي اعتراف رسمي ضمني بوجودهم. إذا أرادت المحافظة تطبيق القانون بدقة، فالحق لها أن تطالب الأهالي بدفع رسوم تراخيص بناء متأخرة، أو غرامات مخالفة. لكن أن تقوم باقتطاع سبعين بالمائة من حقوقهم لمجرد أن الأرض كانت مصنفة "زراعية" قبل نصف قرن، فهذا محض غبن وظلم لا يقبله شرع ولا قانون. إنها مصادرة لحقوق تحت غطاء قانوني، وهذا أخطر أنواع الظلم.
لا يمكن قراءة ملف العشوائيات بمعزل عن السياق التاريخي. فالتقصير في التخطيط العمراني لم يبدأ اليوم، بل كان سائداً قبل الثورة السورية. الدولة لم تقدم مشاريع سكنية تغطي النمو السكاني المتزايد. كانت هناك أجيال جديدة تحتاج للسكن، وأسر تتوسع، ولم تكن البدائل متاحة. الناس لم يبنوا في الأراضي الزراعية حباً بالمخالفة، بل كانوا مضطرين. لم يكونوا ينتظرون مشاريع إسكان حكومية لا تأتي، وكان عليهم أن يؤمنوا مأوى لأنفسهم ولأولادهم. هذا التقصير الرسمي التاريخي لا يمكن تحميل المواطن ثمنه اليوم. الدولة هي التي قصرت، والمواطن الذي سد هذا الفراغ بجهده الذاتي لا يمكن معاقبته وكأنه المجرم الوحيد في القصة. تقصير الدولة لا يتحمله المواطن، بل يتحمله المسؤول عن التخطيط. والمطلوب اليوم هو معالجة تتحمل فيها الدولة جزءاً من مسؤوليتها، لا أن تطلب من المواطن دفع الثمن كاملاً.
في هذا السياق، لا يمكن تجاهل دور المؤسسة الدينية الرسمية ممثلة بـمجلس الإفتاء الأعلى في سوريا، الذي تشكل في آذار 2025 برئاسة المفتي العام للجمهورية الدكتور أسامة الرفاعي، وعضوية نخبة من أبرز علماء الشام، من أمثال الدكتور محمد راتب النابلسي والشيخ محمد نعيم عرقسوسي والدكتور محمد أبو الخير شكري وآخرين. هذا المجلس، الذي يهدف إلى توحيد المرجعية الدينية وتقديم الرأي الشرعي في القضايا العامة والمستجدات والنوازل، لديه دور مهم يمكن أن يلعبه في قضية شائكة كقضية القابون وجوبر.
فإلى جانب مهامه في إصدار الفتاوى والإرشاد الديني، أكد بعض أعضاء المجلس أن من مهامه "الرقابة على القوانين وقرارات الوزراء" وكونه "المصوب والمرشد والموجه" للقرارات التي قد تتعارض مع الشريعة الإسلامية، إضافة إلى السعي لإنصاف كل شخص مظلوم يقدم شكوى للمجلس. صحيح أن التفاصيل التنظيمية والنظام الداخلي للمجلس لم تُحسم بعد بشكل نهائي، وأن الصلاحيات الدقيقة قيد التحديد، لكن المبدأ الأساسي قائم: وجود هيئة عليا مرجعيتها الشريعة الإسلامية، معنية بفحص القرارات الكبرى ومدى توافقها مع أحكام الشرع ومقاصده في تحقيق العدل وحفظ الحقوق.
فإذا كانت محافظة دمشق تخطط لخطة تنظيمية تمس حقوق آلاف المواطنين، وتقترح نسباً تعتبر - كما وصفها الأهالي - "غبناً محضاً" لا يقره شرع ولا قانون، فلماذا لا يُستفتى هذا المجلس؟ لماذا لا يُطلب منه بيان شرعي واضح حول مدى جواز اقتطاع سبعين بالمائة من حق إنسان بحجة أن أرضه كانت مصنفة "زراعية" قبل نصف قرن، رغم أنه أقام عليها مسكنه ودفع الضرائب لعقود؟ الاستئناس برأي مجلس الإفتاء الأعلى في هذه القضية سيمنح أي حل قادم شرعية دينية وشعبية، وسيحمي القرار النهائي من أن يكون مجرد رؤية إدارية بحتة تخضع للأمزجة. الأهالي يستحقون أن يُنظر في قضيتهم بعين العدل التي لا تفرق بين وثيقة وأخرى، وبعين الشرع الذي يحفظ الحقوق ولا يضيّعها. وحضور وزير العدل في المجلس يضيف بعداً آخر لأهمية التنسيق بين المرجعية الشرعية والقضائية لضمان حلول عادلة.
يرى السيد محافظ دمشق في خطته "طوق النجاة" للمدينة، لكن الأهالي يرون فيها خطة لا تستند إلى شعبية، ولا إلى قانون، ولا إلى شرع، ويتساءلون: لماذا لا نبحث عن حلول أخرى؟ من هذه الحلول المطروحة:
لابد لأي مشروع مستقبلي من هذه النقاط:
إن السوريين في الخارج، الذين يعملون على قدم وساق في مشاريع كبرى بدول الاغتراب، يمكنهم ضخ خبراتهم وأموالهم في مشروع وطني يحفظ الحقوق ويعيد الإعمار. هؤلاء هم الثروة الحقيقية التي يجب استثمارها.
ما حدث في كفر سوسة وباسيلا سيتي ليس بعيداً عن ذاكرة الناس. هناك أهالٍ خسروا حقوقهم تحت شعار "التطوير"، واليوم تُباع شقق باسيلا بملايين الليرات، بينما أصحاب الأرض الأصليون لا يملكون فيها شيئاً. هذا النموذج يجب ألا يتكرر في القابون وجوبر. إعادة الإعمار فرصة لبناء مدن أفضل، لكن ليس على حساب حقوق الناس. إذا لم نتعلم من الماضي، فسنكرر أخطاءه. وإذا كانت محافظة دمشق تبحث حقاً عن حل، فلتستمع إلى صوت الأهالي: "نحن مستعدون للانتظار والصبر، لكننا لن نقبل بانتقاص حقوقنا. الانتظار خير من الترحيل، والحل العادل خير من حل يرضي طرفاً على حساب آخر". دمشق تستحق تجربة إعمار ناجحة، تكون نموذجاً يُحتذى، لا نموذجاً يُرثى له. ولعل في استنارة القائمين على أمرها برأي مجلس الإفتاء الأعلى ما يحفظ لهذه التجربة نزاهتها وعدالتها، ويجعلها نموذجاً يُحتذى في الموازنة بين حقوق الناس ورؤية التطوير. زمان الوصل
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة