عيد الفطر في ذاكرة المسنين: حكايات الفرح والحنين وصمود الروابط العائلية في دمشق


هذا الخبر بعنوان "عيد الفطر في عيون المسنين.. بين الفرحة والذكريات والحنين" نشر أولاً على موقع sana.sy وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٠ آذار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في صباحات عيد الفطر المبارك، حيث تمتزج رائحة القهوة ببهجة المهنئين، يحمل كبار السن في دمشق ذاكرة غنية تمتد لعقود طويلة، تختزن في طياتها الفرح والألم معاً. ومع تجدد طقوس العيد كل عام، تبقى قصصهم شهادة حية على زمن مضى، وعلى روابط عائلية عميقة لا تزال تمنح الحياة معناها الحقيقي. ففي معضمية الشام بريف دمشق، كما في كل بيت سوري، يظل العيد فرصة متجددة للأمل، وتذكيراً للأجيال بأن الفرح الأصيل ينبع من دفء العائلة وقرب الأحبة.
على الرغم من ظروف الحياة الصعبة والمعاناة التي شهدتها السنوات الماضية، لا تزال ذاكرة كبار السن تحتفظ بوهج أعياد مضت، كانت فيها الأبواب مفتوحة دائماً، والقلوب لا تعرف المسافات. ففي تلك الأيام، كان الأقارب والجيران يجتمعون حول موائد عامرة بالمحبة قبل الطعام، وكانت تلك الأيام ببساطتها ودفئها، ليست مجرد مناسبات عابرة، بل حكايات من الألفة والتكافل تنبض في وجدانهم.
ألم العيد في غياب الأحباب
تستقبل أمينة شحادة، وهي أم فاضلة، العيد في منزلها المتواضع بدمعة لا تفارقها منذ أربعة عشر عاماً، تحديداً منذ يوم اعتقلت الأجهزة الأمنية ابنها محمد في بدايات الثورة السورية، ولم يُعرف مصيره حتى الآن. بصوت يخنقه الألم، أكدت أمينة لمراسلة سانا أن العيد فقد نكهته منذ غياب ابنها. وأوضحت أنها، ورغم هذا الوجع العميق، تسعى جاهدة لمنح أحفادها شيئاً من الفرح، كأم ربّت أبناءها وحدها منذ وفاة زوجها قبل ثلاثة عقود. تفخر أمينة بأن جميع أبنائها متعلمون ويتحلون بروح المسؤولية، مؤكدة أن وجودهم حولها هو ما يبقيها قادرة على متابعة الحياة، ويعيد إليها شيئاً من دفء العيد مهما صعبت الظروف.
الحاج خليل.. ذاكرة لا تشيخ
على مقربة من منزل أمينة، يستعيد الثمانيني الحاج خليل الخطيب ذكريات أعياد مضت، حين كانت العلاقات الاجتماعية أكثر تماسكاً، والزيارات بين الأقارب عادة لا تنقطع. يروي الحاج خليل تفاصيل حياته كفلاح وتاجر ووجه اجتماعي بارز في المعضمية، مشيراً إلى مساهمته في تأسيس أسواق محلية منذ سبعينيات القرن الماضي، وأنه أمضى أكثر من ستين عاماً في التجارة دون أن يسيء لأحد. وأوضح الخطيب أن العيد بالنسبة له يمثل فرصة لتجديد الروابط العائلية، حيث يحرص على زيارة أخواته وأقاربه قبل استقبال الأحفاد والمحبين في منزله، مؤكداً أن "العادات القديمة ما زالت حاضرة، وأن العائلة هي أساس الفرح".
العيد زمن الصلح والمحبة
من جهته، وصف إبراهيم الجلب، أحد وجهاء حي المعضمية، ذكرياته مع العيد بأنها تحمل طابعاً اجتماعياً مميزاً تسوده أجواء المحبة والتسامح. أشار إلى أن أبرز العادات القديمة كانت مبادرات الصلح بين المتخاصمين، وتبادل الزيارات بين الأقارب والأصدقاء خلال أيام العيد. يستذكر الجلب مراحل من حياته، إذ نشأ في فترة الكتاتيب قبل انتشار التعليم النظامي، ويقول إن فرحة العيد اليوم تكمن في اجتماع الأسرة حوله، ووجود الأبناء والأحفاد الذين يملؤون البيت بضحكاتهم، وقد تحققت أمنيته بأن يعيش بين أفراد عائلته، ساعياً لتقديم ما يستطيع لهم من تذليل الصعوبات أمامهم.
العيد بين الماضي والحاضر
يرى كبار السن أن العيد قد تغيّر في تفاصيله، لكنه بقي محتفظاً بروحه الأساسية: اللقاء، والود، وصلة الرحم. يؤكدون أن الزيارات البسيطة، وابتسامة حفيد، أو قبلة على جبين أمّ، كفيلة بأن تعيد للعيد دفأه مهما أثقلت السنوات القلوب. وبين وجع أمينة شحادة وحنين الحاج خليل الخطيب وذكريات إبراهيم الجلب، يظهر العيد في عيون المسنين مناسبة تتجاوز الفرح العابر، لتصبح مساحة واسعة لاستعادة الماضي، والاحتفاء بروابط إنسانية تعيد للحياة معناها. ويحتل عيد الفطر المبارك مكانة خاصة في الوجدان الشعبي السوري، ويشكّل مناسبة تتجدد فيها الروابط العائلية وتتقاطع فيها مشاعر الفرح والحنين، إذ يحرص كبار السن على الحفاظ على طقوس العيد التقليدية التي ورثوها عن الآباء والأجداد.
سوريا محلي
سياسة
سياسة
سوريا محلي