أوروبا في مواجهة معضلة استراتيجية: ضغوط ترامب وملف إيران يختبران الدبلوماسية الأوروبية


هذا الخبر بعنوان "أوروبا بين نارين… إيران وترامب" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٠ آذار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
تجد أوروبا نفسها في موقف استراتيجي معقد، محاطة بتحديات متعددة قد تبدو كخيارات صعبة. فرفضها مساعدة الولايات المتحدة في تأمين الملاحة بمضيق هرمز قد يعرض أمنها للخطر، بينما قبولها يعني تأييداً لسياسات وخطابات واشنطن التي اتسمت بالعدائية تجاهها في بعض الأحيان. لقد كان العام الأول من الولاية الثانية المحتملة للرئيس دونالد ترامب بمثابة اختبار شاق للدبلوماسية الأوروبية في تعاملها مع الأميركيين. فقد استنزفت حروب الرسوم التجارية، وصراع أوكرانيا، وخطابات "الانمحاء الحضاري" القارة العجوز، بقدر ما أثارت دهشتها. وفي الواقع، بدت كل هذه الملفات تمهيداً للامتحان الأشد صعوبة: قضية غرينلاند. فوسط انشغال العالم بالحرب الدائرة حالياً في الشرق الأوسط، كشف تقرير حديث لهيئة البث في الدنمارك أن البلاد، عقب العملية الأميركية في فنزويلا مطلع العام، وضعت خطة عسكرية لمواجهة أي محاولة أميركية للاستيلاء على الجزيرة، بما في ذلك تفجير مدارج مطار العاصمة نوك.
شهدت دافوس انخفاضاً في حدة التوتر، فهل بدأ الضباب بالانقشاع؟ عندما اصطدم الأوروبيون مع الإدارة الأميركية بخصوص رفضهم المساعدة في تأمين الملاحة بمضيق هرمز، لم يكن واضحاً ما إذا كان ذلك يمثل نهاية للتحالف العابر للأطلسي. وقد بدا التشدد الأوروبي حينها صلباً لدرجة المخاطرة. لكن فجأة، بدأت الأمور تتجه نحو الحل. فبعد ظهر يوم الخميس، أصدرت المملكة المتحدة وفرنسا وألمانيا وإيطاليا وهولندا واليابان وكندا بياناً مشتركاً بشأن أمن الملاحة في مضيق هرمز، أعربت فيه عن "الجاهزية للمساهمة في جهود مناسبة لضمان المرور الآمن عبر المضيق". كما رحبت هذه الدول بالتزام الأطراف المنخرطة في التخطيط الأولي لهذه الجهود.
يحمل هذا البيان أهمية لعدة أسباب. فمن جهة، اتسعت قائمة الدول المهتمة بأمن المضيق لتشمل آسيا، بعد أن كانت اليابان قد رفضت في البداية الالتزام بهذا الجهد. ومن جهة أخرى، تبرز مشاركة المملكة المتحدة بشكل خاص، لا سيما بعد رفض ترامب لمشاركتها تحديداً. وتُعد كندا أيضاً علامة فارقة، خصوصاً بعد مسارها الانفصالي التدريجي عن جارتها الجنوبية مؤخراً. وجاءت هذه الخطوة الأخيرة بعد أيام قليلة من تصريح مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، كايا كالاس، بأن "لا أحد يريد الذهاب عمداً إلى هذه الحرب". كما شدد المستشار الألماني فريدريتش ميرتس، المقرب من ترامب، على أن حلف شمال الأطلسي (ناتو) هو حلف دفاعي وليس هجومياً.
لم يكن الأمر مقتصراً على ترامب وحده. ففي الماضي، تميزت الولايات المتحدة بقدرتها على قيادة تحالفات واسعة في معظم عملياتها العسكرية، لكن هذا تغير مؤخراً. ولم يكن السبب الوحيد في ذلك شخصية ترامب. فعلى الرغم من قيادة سلفه جو بايدن لأكثر من عشرين دولة ضمن "عملية حارس الازدهار" ضد الحوثيين لحماية الملاحة في باب المندب، رفضت فرنسا وإسبانيا وإيطاليا المشاركة حينها. لكن يبرز سؤال وجيه حول سبب تراجع الحلفاء عن رفضهم الأولي لدعم أميركا، إن كان ذلك رفضاً حقيقياً ولم يكن مجرد تكتيك. فربما كان تصلب الأوروبيين في موقفهم شكلاً للحصول على تنازلات من الولايات المتحدة في القضايا الخلافية. ومن المحتمل أن تكون بروكسل قد حصلت على تعهدات غير علنية من الإدارة الأميركية بخصوص رفع المساعدات العسكرية أو الاستخباراتية لأوكرانيا، أو عدم إثارة موضوع غرينلاند مجدداً. وتطرح احتمالات أخرى نفسها، فقد يكون الأوروبيون قد قرروا التدخل ببساطة لأنهم عاجزون عن تحمل تكلفة إغضاب الولايات المتحدة. وقد يقف تفكير استراتيجي أعمق وراء هذه الخطوة الأخيرة؛ فإذا كانت أوروبا تطمح لأن تتحول إلى قوة دولية، فإن التدخل في نقطة حساسة بالنسبة لاقتصادها يعد مدخلاً إلزامياً لتحقيق هذه الرغبة.
هل هي ملكية أكثر من الملك؟ للتأكيد، لا يزال الغموض يكتنف آلية التحرك المستقبلي لهذه الدول. وباستثناء فرنسا التي أرسلت قطعاً بحرية إلى الشرق، قد يبقى موقف سائر الدول الأوروبية أقرب إلى إعلان نوايا. وبشكل عام، لا تزال أوروبا منقسمة بشأن هذا الملف. لكن أوروبا لا تستطيع في بعض النواحي أن تكون ملكية أكثر من الملك. فإذا كان الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي قد قبل طلب أميركا بإرسال خبراء مسيّرات إلى الشرق الأوسط، على الرغم من كل الازدراء الأميركي له، بل وعلى الرغم من الإنكار الرسمي المتواصل لهذا الطلب، فالأولى بأوروبا أن تتحرك ولو بإمكانات متواضعة. بإمكانها شد الحبال مع الأميركيين بقدر ما تشاء، خلف الكواليس. ففي الأزمات، يهتم العالم أولاً بأفعالها لا بخلافاتها مع ترامب. وهناك حقيقة ثابتة: أثبتت "عملية الغضب الملحمي" أن الولايات المتحدة تحتاج إلى الحلفاء، بالرغم من كونها القوة المهيمنة عالمياً. على أوروبا ألا تضيع فرصة الاستفادة من تلك الحاجة، وبالحد الأدنى، الاستفادة من فرصة إثبات أن لها مستقبلاً أمنياً فاعلاً، لا متفرجاً على الأزمات الدولية.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة