القابون وجوبر: جدل قانوني وأخلاقي حول مطالبة الأهالي بتمويل إعمار البنية التحتية


هذا الخبر بعنوان "بين مطرقة "القانون" وسندان "الجباية": هل يدفع أهالي القابون وجوبر فاتورة إعمارهم مرتين؟" نشر أولاً على موقع zamanalwsl وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢١ آذار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
بينما يترقب أهالي المناطق المدمرة في محيط العاصمة دمشق بصيص أمل للعودة إلى ديارهم، أثارت التصريحات الأخيرة للمهندس عمر دكاك، مدير الدراسات الفنية في محافظة دمشق، موجة واسعة من التساؤلات المشروعة والمخاوف القانونية. لم يكن اللقاء الذي جمعه مؤخراً بوفد من أهالي حي القابون مجرد عرض للخيارات التنظيمية، بل كشف عن محاولة واضحة لتحميل المواطنين أعباء خدمية تُعد، في الأصل، من مسؤوليات الدولة بموجب القانون.
كشف دكاك عن تفاصيل "الخيار الثالث" المقترح لإعادة إعمار حيي القابون وجوبر، والذي يتيح للأهالي تجميع ملكياتهم والتعاقد مع مقاولين لتنفيذ أعمال الإعمار. إلا أن هذا الخيار يحمل في طياته شرطاً أساسياً يُعتبر "فخاً"؛ حيث تشترط المحافظة أن يتحمل الملاك بالكامل تكاليف تأهيل البنية التحتية، بما في ذلك شبكات الكهرباء والمياه والصرف الصحي والطرقات. وصف دكاك هذا الخيار بأنه "معقد وبطيء"، وحذر من احتمالية نشوب نزاعات بين الملاك، في إشارة يرى فيها مراقبون "ضغطاً" لدفع الأهالي نحو خيارات أخرى قد لا تخدم مصالحهم السكنية.
بالعودة إلى القوانين السورية النافذة، يتضح أن طرح المحافظة يتعارض بشكل صارخ مع النصوص التشريعية. فقد نص المرسوم الرئاسي رقم 59 لعام 2026، الصادر في 10 آذار 2026، والذي شكل لجنة عليا برئاسة وزير الطوارئ، صراحة على أن "تهيئة البنى التحتية في المناطق المدمرة تمهيداً لعودة الأهالي" هي مهمة حكومية أصيلة تهدف إلى رفع المستوى الخدمي، وليست عبئاً يُلقى على كاهل المهجرين. كما يؤكد قانون الإدارة المحلية رقم 37 لعام 2021 أن الضرائب والرسوم التي سددها المواطن لعقود، مثل ضريبة الترابية وغيرها، هي المورد الأساسي الذي يجب أن يُنفق على الخدمات، مما يعني أن المواطن قد دفع "ثمن الخدمة" مسبقاً عبر سنوات من التزامه الضريبي.
تثير المقارنة مع مشاريع المحافظة الأخرى علامات استفهام كبرى حول تطبيق معايير مزدوجة. ففي مشاريع تأهيل دمشق القديمة، مثل باب توما والقشلة، تحملت المحافظة كامل تكاليف البنية التحتية والترميم، معتبرة إياها "مسؤولية عامة". فبأي منطق قانوني أو خدمي تُعفى مناطق وتُجبر مناطق أخرى – عانى أهلها النزوح والدمار – على الدفع من جيوبهم؟ ويؤكد المقال أن "المحافظة ليست تاجراً يقدم معروفاً، بل جهة إدارية وظيفتها تقديم الخدمة مقابل الضرائب المحصلة".
خلف الأرقام والمواد القانونية، تكمن حقيقة إنسانية دامغة. فأهالي القابون وجوبر والقدم والعسالي لم يكونوا مجرد سكان، بل كانوا في طليعة الحراك الشعبي، ودفعوا أثماناً باهظة من دمائهم وبيوتهم في سبيل كرامة السوريين جميعاً. إن محاولة تحميل هؤلاء الأهالي فاتورة البنية التحتية اليوم تبدو وكأنها "عقوبة ثانية" لهم. فبعد سنوات من التهجير وفقدان الممتلكات، يُطلب منهم الآن القيام بدور الدولة في تمويل الخدمات الأساسية. إن العدالة تقتضي ألا يتحمل ثوار الأمس، الذين دفعوا ضريبة الدم والنزوح، فاتورة الإعمار وحدهم، بل يجب أن يتقاسم الجميع أعباء المرحلة بصفتها مسؤولية وطنية شاملة. إن حق السكن والخدمات ليس "منّة" من وحدة إدارية، بل هو التزام قانوني دستوري. وإذا كانت المحافظة تعاني عجزاً مالياً، فالحل يكمن في إدارة الموارد وليس في استنزاف المواطن المنكوب.
الكرة الآن في ملعب الجهات الرقابية واللجنة العليا المشكلة بموجب المرسوم 59 لتصحيح هذا المسار وضمان عودة كريمة للأهالي دون شروط مالية تعجيزية. (زمان الوصل)
سوريا محلي
سوريا محلي
سوريا محلي
سوريا محلي