تصاعد الخلاف الأميركي الأوروبي: مضيق هرمز والحرب على إيران يهددان الشراكة الأطلسية


هذا الخبر بعنوان "خلفيات الخلاف الأميركي الأوروبي على مضيق هرمز وتداعياته" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢١ آذار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
لم يكن الكشف عن الخلاف الأميركي الأوروبي، وتحوله إلى حوار علني عبر وسائل الإعلام بدلاً من القنوات الدبلوماسية الهادئة، مفاجئاً للمتابعين لتطورات التفاعل بين واشنطن والعواصم الأوروبية والغربية الكبرى. وقد تصاعدت لغة الخطاب ومفرداته بين الولايات المتحدة وحلفائها في حلف شمال الأطلسي، وبشكل خاص الأوروبيين، بسبب عدم استجابة الحلفاء لنداء واشنطن بالانضمام إليها في جهد عسكري يهدف إلى ضمان بقاء مضيق هرمز مفتوحاً أمام الملاحة الدولية، في مواجهة الجهود الإيرانية لإغلاقه أمام الدول التي تصنفها طهران معادية لها. هذا ما يوضحه وليد محمود عبد الناصر في تحليله.
منذ بدء الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران في 28 شباط/فبراير 2026، كان من الواضح أن الجانب الأميركي اكتفى بالتنسيق مع إسرائيل وحدها قبل شن الحرب بأشهر، على عكس الحروب السابقة، بما في ذلك الغزو الأميركي للعراق عام 2003، حيث كانت واشنطن تحرص على بناء أوسع تحالف دولي ممكن، خاصة مع حلفائها داخل "الناتو" والأوروبيين منهم.
على الرغم من إعراب الحلفاء الأوروبيين عن رغبتهم في إنهاء البرنامج النووي الإيراني، وذهاب بعض المسؤولين الأوروبيين إلى حد القول، مع تقدم الحرب، إنهم يودون رؤية نهاية للنظام الحاكم حالياً في طهران ليحل محله نظام ديمقراطي على النسق الغربي، إلا أنهم لم يعربوا عن أي دعم أو تأييد للحرب الأميركية – الإسرائيلية على إيران. بل ذهبت إسبانيا إلى إدانة الحرب بشكل صريح وقوي، واعتبر قادة أوروبيون آخرون ورئيس الوزراء الكندي أنها تمثل انتهاكاً للقانون الدولي. وكانت السمة الغالبة على تصريحات القادة الأوروبيين تشير إلى أنهم لم يفضلوا اندلاع هذه الحرب في المقام الأول، بل كانوا يتطلعون إلى تسوية دبلوماسية سلمية للنزاع الأميركي – الإيراني بجوانبه المختلفة، بما يؤدي إلى التخلص من الهموم المتصلة بالبرنامج النووي الإيراني، وربما أيضاً ببرنامج الصواريخ الباليستية.
ما فجر الخلاف بشكل أكبر وأخرجه إلى العلن، كان تصريحات علنية للرئيس الأميركي دونالد ترامب انتقد فيها عدداً من الحلفاء على الجانب الآخر من المحيط الأطلسي، وخص بالذكر رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، متهماً إياه بعدم قبوله استخدام القواعد العسكرية البريطانية لشن الهجمات الأميركية على إيران. جاءت هذه الانتقادات تجاه لندن لافتة لأكثر من سبب: أولاً، الطابع الاستراتيجي للتحالف الأنغلو/ساكسوني بين واشنطن ولندن منذ عقود طويلة. ثانياً، أن رئيس الحكومة البريطانية كان قد وافق في وقت مبكر من الحرب على استخدام الجيش الأميركي للقواعد العسكرية البريطانية، ورغم ذلك طالته انتقادات ترامب اللاذعة. ثالثاً، أن واشنطن لم تستشر لندن في اتخاذ القرار، بل توقعت منها مجرد الانصياع لما تطلبه دون أي حق في النقاش المسبق.
لم تقف انتقادات الرئيس الأميركي عند حدود رئيس الحكومة البريطانية، بل امتدت، وإن بشكل أقل مباشرة، إلى رؤساء أو رؤساء حكومات دول أخرى في الناتو أو في أوروبا. وذكّر ترامب الجميع بأن الولايات المتحدة تحارب إيران نيابة عنهم جميعاً، ومن أجل الاستقرار والسلام والأمن العالمي، بحسب قوله، محذراً من أنه لولا الحرب على إيران، أو لو كانت تأخرت، لاندلعت حرب نووية، ولكانت إيران شنت هي الحرب، وهو الأمر الذي رأى ترامب أنه كان سيؤدي إلى اندلاع حرب عالمية ثالثة.
رغم تجاهل القادة الأوروبيين الرد أو التعليق على تصريحات الرئيس الأميركي، بمن فيهم رئيس الوزراء البريطاني، في ظل حرصهم على الحفاظ على الشراكة عبر الأطلسي مع واشنطن التي يحتاجون إليها، استمر الرئيس الأميركي، وبخلاف موضوعات أخرى راجع وغير مواقفه إزاءها منذ اندلاع الحرب، في توجيه الانتقادات إلى الحلفاء في الناتو، خاصة الأوروبيين. وعندما أعلنت بريطانيا وفرنسا ودول أوروبية أخرى بدء إرسال قوات، ولو رمزية، لتكون بالقرب من ميدان القتال، خرج ترامب ليعلن أن واشنطن ليست بحاجة إلى الدول الأخرى في الناتو، وأن بلاده سوف تنتصر وحدها، بل إنها بالفعل انتصرت. وبالتأكيد، لم تكن تلك التصريحات محل ترحيب القادة الأوروبيين، وإن مارسوا مجدداً ضبط النفس في ردود أفعالهم عليها، لعدم رغبتهم في الإضرار بالعلاقة مع واشنطن.
ولكن ترامب، وبعد إعلان الحرس الثوري الإيراني أنه أغلق مضيق هرمز أمام الدول المعادية لإيران، ورغم أنه أعلن قبل ذلك أن القوات الأميركية قادرة على ضمان فتح المضيق بالقوة، ووعد بأن سفناً حربية أميركية سترافق الناقلات التي تعبر المضيق لضمان سلامتها، جاءت تصريحات من داخل إدارته تعرب عن أن تحقيق ذلك سوف يستغرق بعض الوقت. ثم عاد الرئيس وفاجأ العالم، خاصة الدول الحليفة في الناتو، بأنه يطلب منها الانضمام إلى تحالف للقيام بعمل عسكري جماعي لضمان وجود مضيق هرمز مفتوحاً أمام الملاحة الدولية، ولتحييد أي سيطرة إيرانية عنه، بما في ذلك إمكان استخدام القوة ضد إيران.
وقد فوجئ الرئيس الأميركي بردود فعل حلفائه في الناتو، خاصة في أوروبا، التي كانت صريحة ومن دون مواربة هذه المرة، على أعلى المستويات، برفض الانجرار إلى حرب لم تجرِ استشارة الحلفاء مسبقاً بشأنها. وأعلنوا أن هذه الحرب ليست حربهم وأنها يجب أن تتوقف، وأن أي تغيير للحكم في إيران يجب أن يتم من داخل إيران. بل أشار بعضهم إلى فشل محاولات سابقة لفرض نظم حكم موالية للغرب عبر العمل العسكري، كما حدث في أفغانستان في 2001، وفي العراق في 2003، وما أدت إليه الحالتان من نتائج لم تكن لمصلحة الغرب.
كذلك حرص هؤلاء القادة الغربيون والأوروبيون على التأكيد أن حل الموقف الراهن في مضيق هرمز يجب أن يكون عبر الوسائل السلمية والدبلوماسية وليس باستخدام القوة، وأنهم لن يرسلوا جيوشهم أو بحريتهم بغرض فك التضييق الإيراني على الملاحة في المضيق. وهنا، عاد الرئيس الأميركي مجدداً إلى إطلاق حملة من الاتهامات والانتقادات إلى القادة الأوروبيين أشد وأكثر حدة مما سبق. وإذا كان قد قال من قبل إن رئيس الوزراء البريطاني الحالي ليس هو ونستون تشرشل، فقد عاد ليقول إن الرئيس الفرنسي لن يبقى رئيساً لفرنسا، وقام بتذكير الحلفاء بأن الولايات المتحدة هي التي قدمت الحماية لهم ودافعت عنهم لعقود طويلة، وإنها هي التي قدمت الدعم لأوكرانيا للوقوف بوجه روسيا، معرباً عن خيبة أمله من موقف الناتو ومن مواقف القادة الأوروبيين والغربيين، معلناً أنه لن ينسى هذه المواقف، وملمحاً إلى أن الولايات المتحدة سوف تراجع سياساتها إزاء تلك الدول. ومن الجدير بالذكر أنه كان في بداية الحرب قد ذكر أن واشنطن ستقطع علاقاتها التجارية مع مدريد بسبب الإدانة المبكرة والواضحة من جانب الحكومة الإسبانية للحرب على إيران.
في الخلاصة، لكل طرف دفوعه الوجيهة: فواشنطن تذكّر حلفاءها في الناتو، خاصة في أوروبا، بأنها وفرت لهم مظلة الحماية العسكرية منذ ساهمت بقوة في هزيمة دول المحور في الحرب العالمية الثانية، ثم دافعت عنهم خلال الحرب الباردة بين المعسكرين الغربي والشرقي، ثم مجدداً عند اندلاع الحرب الروسية – الأوكرانية، وأن الإعراب عن الامتنان كان يرتب على الأوروبيين وبقية الحلفاء الغربيين سرعة تلبية أي طلب من واشنطن. ومن جانبهم، فالأوروبيون، وقادة دول غربية أخرى، يرون أنه لم تتم استشارتهم مسبقاً هذه المرة من واشنطن قبل شن الحرب، وأن الإدارة الأميركية تعاملت باستخفاف مع وزنهم ودورهم في بداية الحرب، وأن لديهم نظماً ديمقراطية ستضعهم في موضع المساءلة أمام شعوبهم، إذا لم يتبعوا سياسات تنبع من مصالح بلدانهم الوطنية وتتسق معها، وأن النزاع الحالي يجب تسويته عبر القنوات السلمية والدبلوماسية. ومن الصعب توقع أن يغير أي من الطرفين – واشنطن من جهة أو حلفاؤها الغربيون والأوروبيون من جهة أخرى – من مواقفهما في القريب العاجل إزاء الموضوعات محل الخلاف بشأن الحرب الجارية، إلا إذا حدثت تطورات في ميادين القتال، إما تعزز الدفوع الأميركية أو تدعم التحذيرات والمخاوف الغربية والأوروبية.
سياسة
سياسة
اقتصاد
اقتصاد