مخلفات النظام البائد: الألغام تحصد أرواح الآلاف وتهدد الزراعة السورية لعقود


هذا الخبر بعنوان "تحقيق يكشف مخاطر الألغام التي نشرتها قوات النظام البائد في الأراضي الزراعية" نشر أولاً على موقع قناة الإخبارية وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢١ آذار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
كشف تحقيق صحفي استقصائي عن حجم الكارثة الإنسانية والبيئية التي خلفتها الألغام التي زرعها النظام البائد في المناطق الزراعية والمدنية السورية. هذه الألغام، التي نُشرت بشكل ممنهج على خطوط التماس السابقة بين ميليشيا النظام البائد وفصائل الثورة السورية، تسببت في مقتل وإصابة الآلاف من السوريين، ولا تزال تشكل تهديداً مستمراً قد يمتد لعقود على حياة العائدين إلى قراهم بعد التحرير.
أجرى التحقيق "الوحدة السورية للصحافة الاستقصائية – سراج" بالتعاون مع مركز مرونة المعلومات (CIR)، وأظهر أن مساحات شاسعة من الأراضي الزراعية في ريف إدلب وشمال سهل الغاب وريف اللاذقية لا تزال موبوءة بالألغام. وقدر فريق التحقيق أن حوالي 13 ألفاً و700 هكتار من الأراضي معرضة لخطر الألغام، وتقدر تكلفة إزالتها بنحو 137 مليون دولار أمريكي.
في السابع من شباط الماضي، تحولت لحظات لعب الطفلة جنى رجبو بجوار منزل أقاربها المدمر في قرية عكو بريف اللاذقية إلى مأساة، حيث دوى انفجار لغم أرضي أدى إلى بتر قدمها اليمنى وإصابتها بشظايا في قدمها اليسرى، مما استدعى وضع أسياخ حديدية لتثبيتها. عادت جنى وعائلتها إلى القرية بعد نزوح دام 12 عاماً إثر سقوط النظام.
يقول عبد اللطيف رجبو، أحد أقرباء الطفلة، لـ"سراج": "أزالت فرق الهندسة من أرضي 140 لغماً، من بينها لغم دبابة، إضافة إلى ثمانية صواعق لم نجد الألغام المرتبطة بها. نحن لا نخشى الألغام التي نراها، بل تلك المخفية التي لا نعرف مكانها."
أفاد تحقيق "سراج" بأن الألغام التي زرعها النظام البائد أودت بحياة 3 آلاف و485 شخصاً، من بينهم 872 طفلاً، وذلك منذ العام 2011 وحتى بداية العام الجاري، وفقاً لتوثيق الشبكة السورية لحقوق الإنسان.
وبعد التحرير، سجلت الألغام حصيلة مروعة بلغت 607 وفيات، بينهم 177 طفلاً، وأصابت 1087 آخرين، من بينهم 443 طفلاً، حتى 16 كانون الثاني الماضي، بحسب عبد الرزاق قنطار، مدير إدارة دعم الضحايا في المركز الوطني السوري لمكافحة الألغام.
وكشف قائد عمليات فوج الهندسة في وزارة الدفاع، ميسرة الحسن، أن أعداد الوفيات والإصابات في مناطق خط التماس وحدها بين العامين 2020 و2024 بلغت نحو 15 ألف حالة.
يؤكد التحقيق أن المناطق الزراعية كانت هدفاً رئيسياً لعمليات التلغيم التي نفذها النظام البائد، ضمن منهجية متعمدة لإحداث أضرار بشرية ومادية وبيئية طويلة الأمد. وأوضح مدير العمليات في منظمة "هالو تراست" المتخصصة في إزالة الألغام، مؤيد النوفلي، في حديث لـ"سراج"، أن "النظام البائد كان يجري عمليات التلغيم بهدف حماية قواته وإيذاء المدنيين بشكل مباشر"، مشيراً إلى أنه كان يتعمد استهداف المنشآت المدنية والأراضي الزراعية.
من جانبه، صرح مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان، فضل عبد الغني، بأن النظام عمل على تلويث الأراضي الزراعية بالألغام لإضعاف سبل العيش وكوسيلة عقاب جماعي، تاركاً تلك المناطق دون خرائط لعمليات التلغيم أو إشارات تحذيرية، بهدف مضاعفة الإصابات بعد فقدان السيطرة عليها.
رصد فريق التحقيق خلال جولات ميدانية في ريفي حماة واللاذقية عشرات الألغام المنتشرة في الأراضي الزراعية، والتي تحمل كتابات ورموزاً باللغة الروسية. وأظهر تحليل خبير في الأسلحة والألغام أن معظمها من صناعة سوفييتية، من بينها لغم OZM-72 المضاد للأفراد الذي يقذف في الهواء لينفجر وينشر الشظايا، ولغم POM-2 الذي يتفعل فور التعثر بسلك بلاستيكي، ولغم TM-62M المضاد للدروع، ولغم PMN-3 المصنع خصيصاً لعرقلة عمليات الإزالة.
أوضحت وزارة الزراعة، في ردها على أسئلة فريق التحقيق، أن انفجار الألغام يترك آثاراً مباشرة وأخرى طويلة الأمد قد تمتد لعقود، منها تفكك بنية التربة وفقدان الطبقات الخصبة وموت الأحياء الدقيقة وتراكم مركبات سامة. وحذر الدكتور معن دانيال داود، الباحث المختص في الموارد المائية، من تلوث المياه الجوفية والسطحية جراء الألغام، مشيراً إلى أن بعضها يحتوي موادّاً تهدف لإخراج الموارد المائية عن الخدمة.
وفي قرية عكو بريف اللاذقية، اضطر المزارعون إلى إحراق عشرات الأشجار في أراضيهم خوفاً من الألغام، وقال المزارع أبو عادل لـ"سراج": "هذه الأشجار صمدت لسنوات بعد نزوحنا، وها قد عدنا لنحرقها اليوم بسبب الألغام التي تحتها."
يعيش المزارع محمد مرعي مظان، الذي أصيب بلغم في أرضه الزراعية قرب قرية الزيارة شمال سهل الغاب في كانون الأول 2025، مع زوجته وأطفاله الستة بلا مصدر دخل. فقد أفقده الانفجار البصر في عينه اليمنى وتسبب بحروق في وجهه وذراعه، وتصل تكاليف أدويته إلى 450 ألف ليرة سورية أسبوعياً، فيما بلغت تكلفة إسعافه وعمليته 3,200 دولار.
يقول مظان: "في هذه المنطقة نعتمد على الله والزراعة، ولا مصدر دخل آخر لنا"، مشيراً إلى أن أي جهة معنية لم تزره منذ إصابته.
وفي قرية عكو التي عادت إليها 20 عائلة، يروي المزارع خالد سندو أن السيارة جاهزة دائماً لإسعاف المصابين، مؤكداً أنه أسعف بنفسه أربعة مصابين من القرية. وعن المدرسة القريبة يقول: "أنا الذي أعيش على بعد مئتي متر لا أجرؤ على إرسال أطفالي إليها بسبب الألغام."
أفادت وزارة الزراعة بأن تكاليف إزالة الألغام تتراوح بين ثلاثة آلاف وعشرة آلاف دولار للهكتار الواحد، مما يعني أن عمليات تنظيف المساحات الزراعية في منطقة التحقيق تتراوح بين 41 و137 مليون دولار. وأضافت أن عدم استصلاح الأراضي قد يبقي أثر المواد المتفجرة والسمية في التربة الفقيرة لفترات تتراوح بين 20 و40 عاماً.
من جهته، أعلن قائد عمليات فوج الهندسة في وزارة الدفاع، ميسرة الحسن، أن الحكومة تلقت وعوداً بدعم من منظمات دولية ومن الأمم المتحدة لإزالة الألغام، لكنها لم تترجم إلى واقع حتى الآن.
سوريا محلي
سوريا محلي
سوريا محلي
سياسة