تهديدات الحشد الشعبي لسوريا: هل تضع علاقات بغداد ودمشق على حافة الهاوية في ظل التوترات الإقليمية؟


هذا الخبر بعنوان "علاقات دمشق- بغداد في مرمى تهديدات “الحشد الشعبي”" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٢ آذار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في خضم تصاعد التوترات الإقليمية، التي تتزامن مع الحرب الإسرائيلية-الإيرانية، برزت مؤخرًا لهجة تصعيدية من قبل قوات "الحشد الشعبي" في العراق تجاه سوريا. هذا التصعيد، الذي تناولته "عنب بلدي" بقلم أمير حقوق، سبقته تحركات عسكرية سورية على الحدود مع العراق ولبنان بهدف حماية حدودها، بالإضافة إلى اتصالات سياسية مكثفة أجراها الرئيس أحمد الشرع مع قادة المنطقة، بمن فيهم الرئيس العراقي، لاحتواء تداعيات الحرب.
مع تصاعد حدة الخطابات من قبل بعض عناصر وقيادات "الحشد الشعبي" تجاه السلطة السورية الجديدة، التي اختارت موقف الحياد حيال التصعيد الإسرائيلي-الإيراني، حرصت الحكومة العراقية على عدم تبني هذا التصعيد رسميًا. يثير هذا التوتر، الذي يتقاطع مع تحولات سياسية وأمنية عميقة في المنطقة، تساؤلات جوهرية حول أسبابه الحقيقية، وانعكاساته المحتملة على العلاقات بين بغداد ودمشق، ومدى تأثيره على مسار التهدئة أو التصعيد في الإقليم.
تعود جذور هذا التصعيد إلى التحولات التي تشهدها سوريا، فبحسب الكاتب السياسي درويش خليفة، "بدأت أذرع إيران في المنطقة تنظر إلى سوريا كدولة مناوئة لمشروعها، وسوريا الجديدة خرجت من العمق الاستراتيجي لإيران، وبالتالي أصبحت في الضفة المقابلة". وأوضح خليفة، في حديثه إلى "عنب بلدي"، أن هذا التحول تزامن مع قناعة لدى هذا المحور بأن سوريا باتت أقرب إلى المعسكر الغربي، وعلى رأسه الولايات المتحدة، التي كثّفت ضغوطها على إيران منذ وصول دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، في محاولة لتقليص نفوذها الإقليمي وحصره داخل حدودها الجغرافية.
وأضاف خليفة أن هذه الأذرع، ومنها "الحشد الشعبي"، تتحرك وفقًا للاستراتيجيات الإيرانية، وليس وفق استراتيجيات دولها، مؤكدًا أنها "مشاريع وظيفية تعمل لمصلحة قوى أخرى". وحذر من أن بعض القوى المرتبطة بإيران تحاول نقل التوتر إلى الحدود البرية، بعد عسكرة الممرات المائية، عبر محاولات "تسخين الحدود العراقية-السورية"، ما قد يؤدي إلى احتكاكات غير محسوبة.
في المقابل، قدم المحلل والباحث السياسي العراقي محمد ناصر تركي قراءة مختلفة تركز على البعد الأمني. فقد أشار إلى أن العراق، بعد التغيرات الأخيرة، أصبح يسعى لحماية أراضيه والحفاظ على حدوده مع سوريا، خاصة وأنها تمتد لأكثر من 600 كيلومتر. وأوضح تركي أن العراق عانى كثيرًا من الإرهاب، خاصة من تنظيم "الدولة الإسلامية"، ولذلك عمل على نشر قواته وإقامة سواتر لمنع أي تسلل أو تهريب من الجانب السوري، وهو ما يفسر التحركات الأخيرة.
يثير تصعيد "الحشد الشعبي" تساؤلات حول ما إذا كان سيقود إلى توتر فعلي في العلاقات السياسية بين بغداد ودمشق، أم أنه سيبقى ضمن حدود المواقف غير الرسمية. وحذر الكاتب درويش خليفة من خطورة المسار، قائلًا إن "هناك محاولات لتسخين الحدود ما بين الطرفين، وقد يسمح ذلك بوصول الأمور إلى حافة الهاوية بين البلدين"، مضيفًا أن "فتح جبهات جديدة قد ينعكس على الداخل السوري، ويعيد تأجيج الصراع من جديد".
لا يرى المحلل محمد ناصر تركي وجود تصعيد فعلي على مستوى الدول، مؤكدًا أنه لا يمكن اعتبار لهجة بعض عناصر "الحشد الشعبي" تصعيدًا بين العراق وسوريا، وأن العلاقة بينهما مستمرة لأنها "قديمة ومتجذرة". وردًا على تخوفات خليفة، أوضح تركي أن من يمسك الحدود هي شرطة الحدود ووزارة الدفاع، وليس "الحشد الشعبي"، وأن العراق اليوم أكثر حرصًا على ترسيخ معادلة الأمن والاستقرار عبر سيطرة محكَمة على حدوده ومنع أي اختراقات قد تعيد البلاد إلى دوامة العنف.
سبق هذا التصعيد اتصالات مباشرة بين الرئيس السوري أحمد الشرع والحكومة العراقية، في محاولة واضحة لاحتواء التوتر ومنع انزلاقه. وقد بحث الرئيس الشرع ورئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني تطورات الأوضاع الإقليمية، ولا سيما تلك المرتبطة بالتصعيد بين أمريكا وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، وانعكاساتها على أمن واستقرار المنطقة. وأكد الجانبان أهمية تعزيز التنسيق والتعاون الأمني المشترك، مشددين على ضرورة تغليب الحوار والحلول السياسية، وعلى عمق العلاقات الأخوية بين سوريا والعراق، وحرصهما على استمرار التشاور والتنسيق بما يخدم المصالح المشتركة ويسهم في دعم الاستقرار الإقليمي.
يقرأ الكاتب السياسي درويش خليفة هذه الاتصالات في إطار التهدئة، معتبرًا أن اتصال الشرع كان لطمأنة الجانب العراقي بأن سوريا لن تكون منطلقًا لهجمات تجاه العراق، وكذلك لضبط الحدود ومنع أي اشتباك. وقال خليفة: "كان لا بد من هذا الاتصال لأن المنطقة الآن مشتعلة، وسوريا تحاول أن تكون على الحياد، لا مع هذا المحور ولا ذاك". لكنه أشار إلى أن المشهد منقسم بوضوح، مفسرًا: "لا يوجد موقف عراقي موحد، الفصائل كـ(الحشد الشعبي) تنظر إلى سوريا كدولة معادية، بينما الحكومة تتعامل معها كأمر واقع يجب التعايش معه".
ربط المحلل السياسي محمد ناصر تركي هذه الاتصالات بطبيعة العلاقة بين البلدين، موضحًا أن "العراق يحترم خيارات الشعب السوري، حتى مع وجود حكومة انتقالية، ويجب أن تكون هناك علاقات دبلوماسية وتبادل مصالح مع أي حكومة موجودة". وأكد أن الإطار الرسمي هو الحاكم، موضحًا أن "الحشد الشعبي" مؤسسة أمنية تابعة لرئيس الوزراء، ولا يمكن أن تتحرك دون موافقته، وتعمل داخل المسار الرسمي، وبالتالي لا يمكن أن تؤثر لهجة بعض العناصر على العلاقة بين البلدين.
في ظل التوتر الإقليمي واشتداد لهجة "الحشد الشعبي" حيال السلطة السورية، تبرز الحاجة إلى آليات عملية تمنع الانزلاق نحو تراجع العلاقات السياسية بين البلدين. يرى الكاتب درويش خليفة أن التهدئة ممكنة ولكنها صعبة، موضحًا أن "تهدئة الوضع ليست بالأمر الهين في ظل التصعيد الكبير في المنطقة، لكنها ممكنة عبر خطوط اتصال مباشرة ومنع أي انزلاق نحو المواجهة". وحذر من "إعادة الاقتتال المذهبي في المنطقة إذا خرجت الأمور عن السيطرة".
أما المحلل والباحث السياسي محمد ناصر تركي، فطرح مسارًا أكثر استقرارًا، مؤكدًا أنه "يجب أن تكون هناك علاقات دبلوماسية وتبادل مصالح، والعراق سيفتح آفاق التعاون مع سوريا بعد استقرار الوضع فيها". واختتم بأن العلاقات بين البلدين مرشحة للتطور مستقبلًا، خصوصًا مع استقرار الأوضاع في سوريا، ما يفتح الباب أمام تعاون أوسع اقتصاديًا وأمنيًا.
تأسس "الحشد الشعبي" مع صعود تنظيم "الدولة الإسلامية" وسيطرته على أراضٍ واسعة في العراق عام 2014، ومع انهيار جزء من القوات المسلحة العراقية صيف 2014، نزل مسلحو الفصائل العراقية الشيعية يرافقهم مستشارون إيرانيون إلى نقاط التماس بين المناطق التي يسيطر عليها التنظيم والمناطق ذات الأغلبية الشيعية. أقر مجلس النواب العراقي، في 26 من تشرين الثاني 2016، قانون "هيئة الحشد الشعبي"، وسط مقاطعة نواب تحالف القوى العراقية السنّي الذي اعتبر إقرار هذا القانون "نسفًا للشراكة الوطنية".
شارك "الحشد الشعبي" في العمليات العسكرية إلى جانب النظام السوري السابق من خلال "كتائب حزب الله" العراقية، ومنظمة "عصائب أهل الحق"، وحركة "النجباء"، وغيرها من الألوية والفصائل التي ارتكبت مجازر طائفية في العديد من المناطق السورية منذ وقت مبكر من تاريخ الثورة، إذ وثقت "الشبكة السورية لحقوق الإنسان" منذ آذار 2011 حتى كانون الأول 2014 ما لا يقل عن عشر مجازر على يد تلك الفصائل.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة