ريف حماة الشرقي: قطاع التعليم يواجه الانهيار وسط مبادرات أهلية لإنقاذ جيل من الأمية


هذا الخبر بعنوان "جولة تكشف عجز قطاع التعليم بريف حماة الشرقي" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٢ آذار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
تتواصل المعاناة في القطاع التعليمي بريف حماة الشرقي، حيث يواجه الأهالي تحديات جمة لضمان استمرار تعليم أبنائهم. يأتي ذلك في ظل دمار واسع النطاق طال البنية التحتية للمدارس، ونقص حاد في الكوادر التدريسية، بالإضافة إلى توقف الرواتب منذ عدة أشهر. وفي غياب الدعم الرسمي الكافي، أصبحت المبادرات الأهلية والبيوت السكنية المتواضعة هي الملاذ الأخير لإنقاذ جيل بأكمله من الأمية. وقد كشفت شهادات حصلت عليها "عنب بلدي" من أهالٍ ومعلمين ومسؤولين محليين في قرى ريف حماة الشرقي، عن واقع تعليمي مأساوي تتفاقم فيه مشكلات البنى التحتية المدمرة، وتهميش الكوادر المحلية، وغياب تام لدور المنظمات الدولية.
مدرسة مدمرة.. غرف المسجد كبديل مؤقت
من قرية قنبر، وصف محمد حسن الأحمد، وهو أب لثلاثة أطفال تلاميذ، حال المدرسة الحكومية بأنها "مدمرة تمامًا". وأوضح أن الدمار لم يقتصر على العمليات العسكرية فحسب، بل قامت مجموعات محلية مسلحة موالية للنظام السابق بفك حديد البناء وسرقته قبل عودة الأهالي بعد التحرير، مما ترك المدرسة مجرد هيكل خاوٍ غير صالح للاستخدام، في ظل غياب تام لأي لجان كشف أو ترميم رسمية. وأشار محمد إلى أن الأهالي قاموا بتجهيز غرفتين ملحقتين بمسجد القرية على نفقتهم الخاصة، وشملت التجهيزات تركيب الأبواب والشبابيك لضمان استمرار العملية التعليمية. ومع ذلك، تظل مشكلة الكادر التدريسي قائمة، حيث يقع عبء تعليم جميع الطلاب على "معلم واحد" فقط. وعبر محمد عن تخوفه قائلاً: "لكن في حال تم تعيين شيخ للمسجد، سنضطر لتفريغ هذه الغرف لمصلحته، ويعود الطلاب بلا مدرسة". ولخص محمد لـ"عنب بلدي" رحلة البحث عن المستلزمات المدرسية الأساسية بقوله: "ذهبنا عدة مرات إلى مديرية التربية في سلمية للحصول على مقاعد دراسية، وبعد طول عناء، تسلمنا مقاعد قديمة ومكسرة اضطررنا لإصلاحها على نفقتنا الخاصة".
صفوف بلا أبواب ودروس مشتتة
يتكرر المشهد المأساوي في أماكن أخرى، وإن كان بصورة مختلفة، حيث يضطر الطلاب للدراسة في "بيوت سكنية" تقع وسط الأنقاض، تفتقر لأبسط مقومات البيئة التعليمية. وأفاد حسين الأحمد، أحد مدرسي قرية حماده عمر، بأن الصفوف مفتوحة على بعضها لغياب الأبواب الداخلية، مما يجبر نحو ستة معلمين على إعطاء دروسهم في وقت واحد وفي مكان واحد، الأمر الذي يخلق تشويشًا كبيرًا يحول دون تركيز الطلاب. وأضاف المدرس أن "هذه الفصول البديلة تعاني أيضًا من انعدام الإنارة والكهرباء، ونقص حاد في المقاعد الدراسية والسبورات النظامية". وتمتد هذه المعاناة لتشمل جوهر العملية التعليمية، مع نقص واضح في الكتب المدرسية والمناهج التربوية، بالإضافة إلى افتقار القرية لمدرسي اختصاص في مواد حيوية كالغة الإنجليزية والرياضيات واللغة العربية.
"وكلاء" بلا رواتب منذ أشهر
كشف وليد العكلة، وهو مدرس في قرية سوحا التابعة لمجمع عقيربات التربوي، لـ"عنب بلدي" عن بُعد آخر للأزمة يطال الكادر التعليمي ذاته. ويعاني المعلمون في مجمع عقيربات من استبعادهم من مسابقات التثبيت الوظيفي السابقة، مما أدى إلى تحويل الغالبية العظمى من كادر المجمع إلى "وكلاء"، بنسبة تقارب 100%، وفقًا للعكلة. وأشار إلى أن "الأكثر إيلامًا" هو انقطاع الرواتب، حيث لم يتقاضَ المعلمون في المنطقة مستحقاتهم المالية منذ 21 أيلول 2025، أي ما يقارب سبعة أشهر دون دخل، وهو ما يؤثر سلبًا على استقرارهم النفسي والمادي ويجعلهم عاجزين عن تأمين أبسط متطلبات الحياة.
مدرسة واحدة مرممة من أصل 93 في عقيربات
قدم حافظ الحمود، رئيس بلدية عقيربات، لـ"عنب بلدي" إحصائيات صادمة حول جاهزية الأبنية المدرسية، كاشفًا عن حجم الكارثة. فقد أوضح الحمود أنه من بين 93 مدرسة تابعة لقطاع توجيه عقيربات، لم يتم ترميم سوى مدرسة واحدة فقط. ورغم تفعيل حوالي 42 مدرسة، إلا أنها تفتقر لأدنى مقومات البيئة التعليمية، حيث تفتقر غالبية المدارس للأبواب والنوافذ والأثاث المكتبي والمدرسي. كما أن بعض الصفوف تفتقد حتى "البلاط" (الأرضيات)، ويغيب وجود دورات مياه صالحة للاستخدام في معظم المنشآت التعليمية، بحسب رئيس البلدية. وفيما يتعلق بالكادر التدريسي، أكد رئيس البلدية وجود نقص حاد في الاختصاصات العلمية، خاصة اللغة الإنجليزية التي تكاد تكون معدومة في مدارس الناحية، تليها مادة الرياضيات للحلقة الثانية. وعزا الحمود صعوبة استقطاب المعلمين من مدينة سلمية المجاورة إلى الفجوة الكبيرة بين الرواتب وتكاليف المعيشة، حيث بلغت تكلفة النقل الشهري للمعلم الواحد نحو مليون ليرة سورية، متجاوزة قيمة الراتب الشهري بحوالي 100 ألف ليرة، مما يجعل وصول المدرسين إلى المنطقة عبئًا ماديًا إضافيًا. وانتقد الحمود بشدة غياب أي دور للمنظمات الدولية أو المحلية في دعم القطاع التعليمي، مؤكدًا أن المنطقة لم تتلقَّ أي مشاريع تعليمية أو إغاثية مخصصة للمدارس. واختتم الحمود تصريحه بالقول: "إننا أمام ضرورة مُلحة لإطلاق مشاريع تعليم خلال فصل الصيف لتعويض الطلاب عما فاتهم، وتجهيز البيئة المدرسية قبل فوات الأوان".
مبادرة أهلية تعيد الحياة لمدرسة "رسم العوابد"
وسط هذا المشهد القاتم، برزت مبادرة شعبية كنموذج للتكافل الاجتماعي. تحدث محمد المحمد، الموجه التربوي بمجمع عقيربات، لـ"عنب بلدي" عن الفترة العصيبة التي مرت بها المنطقة، حيث وجد العائدون من النزوح قريتهم غارقة في ركام الحرب، مع غياب تام للخدمات وتضرر المرافق التعليمية بشكل كلي. لكن الحاجة الملحة لتعليم الأبناء كانت الدافع وراء اللجوء إلى مبادرات محلية. وشرح عبد الكريم المحمد، مدير مدرسة "رسم العوابد"، لـ"عنب بلدي" تفاصيل المبادرة قائلاً: "بدأ ترميم المدرسة، وتبرع سكان القرية، سواء المقيمون أو المغتربون، كلٌ حسب استطاعته". وقد تشكلت ورشة ميدانية تشاركية، بدأت ببناء الجدران وتجهيزها، وتم تفصيل وتركيب الأبواب والنوافذ، وشمل الترميم دهان المدرسة بالكامل وتركيب منظومة طاقة شمسية. ورغم النجاح في ترميم المدرسة الابتدائية، وجه المحمد نداءً بضرورة الالتفات إلى المدرسة الإعدادية التي لا تزال مهدمة.
"نثمن المبادرات ونعمل على معالجة النقص"
من جانبه، صرح وسيم الأحمد، مدير المكتب الإعلامي في مديرية التربية والتعليم بحماة، لـ"عنب بلدي" بأن المديرية "تثمن عاليًا" المبادرات الأهلية التي نفذها الأهالي في ناحية عقيربات. وأكد أن المديرية لا تكتفي بالدعم المعنوي، بل تتابع هذه المدارس وتقدم "ما يتوفر من دعم لوجستي كالمقاعد والسبورات". وفيما يخص نقص الكادر التعليمي، أقر الأحمد بوجود نقص في بعض الاختصاصات، لا سيما الرياضيات واللغة الإنجليزية، مؤكدًا العمل على "إعادة توزيع الكوادر المتوفرة، والاستعانة ببعض المدرسين من أبناء المنطقة"، والسعي لإيجاد "آليات تشجيعية لاستقطاب المدرسين إلى المناطق البعيدة". وأشار إلى أن المديرية زودت مدارس المنطقة بجزء كبير من الكتب، إلا أن "بعض العناوين ما زالت قيد التوزيع بسبب محدودية الكميات"، وتعمل على استكمال النقص تدريجيًا. كما أقر الأحمد بأن "مسألة التدفئة من التحديات الكبيرة"، موضحًا أن المديرية تؤمّن "ما يتوفر من مخصصات المحروقات وفق الإمكانيات المتاحة"، وتسعى للتعاون مع المجتمع المحلي والمنظمات الداعمة. وبخصوص تأخر صرف رواتب المعلمين، عزا الأمر إلى "إجراءات إدارية ومالية مركزية"، مؤكدًا المتابعة مع الجهات المعنية لصرف المستحقات بأسرع وقت ممكن.
سوريا محلي
سوريا محلي
سوريا محلي
سوريا محلي