أزمة الأسمنت في سوريا: توقف إنتاج "الكلنكر" يرفع الأسعار ويعرقل إعادة الإعمار


هذا الخبر بعنوان "ارتفاع أسعار الأسمنت في سوريا.. “الكلنكر” أبرز الأسباب" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٢ آذار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
تشكل صناعة الأسمنت في سوريا ركيزة أساسية ومؤثرة في مسيرة إعادة الإعمار والبناء، لا سيما بعد التحديات التي شهدتها البلاد. ومع تزايد الحاجة الماسة لمواد البناء لترميم المنازل والمنشآت المتضررة وتشييد وحدات سكنية ومصانع جديدة، برزت أهمية هذه الصناعة.
مؤخرًا، كشف محمود فضيلة، مدير الشركة العامة لصناعة وتسويق الأسمنت ومواد البناء (عمران)، عن اهتمام 12 شركة عربية وأجنبية باستثمار معملي "المسلمية" في حلب و"عدرا" في ريف دمشق، ما أثار آمالًا بانتعاش القطاع. إلا أن هذه الآمال اصطدمت بإعلان إدارة شركة "عمران" التوقف عن إنتاج مادة "الكلنكر"، المكون الأساسي للأسمنت، بسبب ارتفاع تكاليف الإنتاج. هذا التوقف أحدث تذبذبًا كبيرًا في سعر طن الأسمنت الواحد، ليتراوح بين 120 و160 دولارًا أمريكيًا صعودًا وهبوطًا.
يسلط هذا التقرير، الذي أعدته عنب بلدي، الضوء على واقع إنتاج وتسويق مادة الأسمنت في سوريا، وعلاقته المباشرة بسوق العقارات، بالإضافة إلى تحليل نقاط القوة والضعف في السياسات الحكومية الرامية لدعم هذه الصناعة وتحقيق استقرار الأسعار.
أدى قرار إدارة شركة "عمران" بوقف إنتاج "الكلنكر" إلى نقص حاد في المعروض، مما فاقم مشكلة ارتفاع أسعار الأسمنت مع تزايد الطلب. وتعمقت الأزمة بسبب تأخر وصول واردات الأسمنت الأردني إلى سوريا بانتظام، نتيجة لقرار الجمارك السورية المتعلق بـ"المناقلة". ورغم أن هذا القرار لا ينطبق مباشرة على الأسمنت الأردني، إلا أن "مناقلة" البضائع الأخرى عبر معبر "نصيب- جابر" الحدودي بين سوريا والأردن تسببت في تأخير دخول الكميات اللازمة لتلبية احتياجات سوق البناء والتشييد.
وفي تصريح لعنب بلدي، أوضح الخبير المختص في الصناعة السورية، أحمد سليمان، أن ارتفاع أسعار الأسمنت وسيطرة بعض التجار على المادة، وضع المقاولين وشركات البناء وحتى المواطنين الراغبين في ترميم منازلهم ومحالهم تحت ضغط مزدوج: تحكم التجار من جهة، والقرارات الحكومية الارتجالية وغير المدروسة من جهة أخرى.
يشير سليمان إلى وجود فجوة كبيرة بين الإنتاج المحلي واحتياجات السوق السورية من الأسمنت. فبينما يقدر الإنتاج الحالي بنحو 4.6 مليون طن سنويًا، تحتاج السوق إلى ما يتراوح بين ثمانية وتسعة ملايين طن سنويًا لتلبية متطلبات البناء والترميم والمشاريع، مما يخلق عجزًا سنويًا يتراوح بين أربعة وخمسة ملايين طن.
ويعزو سليمان هذا النقص إلى عدة عوامل رئيسية، منها: نقص الوقود والطاقة الضرورية لتشغيل معامل الأسمنت بكامل طاقتها، وهو السبب المباشر وراء إيقاف إنتاج "الكلنكر". كما تضررت بعض المصانع خلال السنوات الماضية، وارتفعت تكاليف الإنتاج والصيانة، مما دفع بعض المعامل للعمل بطاقة أقل من قدرتها الفعلية، وبالتالي تقليل الكميات المعروضة في السوق.
لمواجهة عجز الأسمنت، أوضح الخبير أحمد سليمان أن النقص يُعوّض حاليًا بالاستيراد من الدول المجاورة، سواء أسمنت جاهز أو مادة "الكلنكر" لطحنها محليًا أو بيعها مباشرة. يسهم هذا الاستيراد في تغطية حوالي 40% من الطلب ويمنع حدوث نقص كبير في مواد البناء، لكنه في الوقت ذاته يرفع الأسعار بسبب تكاليف النقل والاستيراد وتقلبات سعر الصرف.
في المقابل، يفتح هذا الواقع فرصًا استثمارية مهمة في قطاع الأسمنت، أبرزها:
لذلك، ما زال سوق الأسمنت في سوريا يعتمد على مزيج من الإنتاج المحلي المحدود والاستيراد الخارجي، مع إمكانية تحسن الوضع مستقبلًا بدخول استثمارات جديدة وتوسيع الطاقة الإنتاجية للمعامل المحلية.
تدير الشركة العامة لصناعة وتسويق الأسمنت ومواد البناء (عمران) عددًا من المعامل، منها:
وأشار الخبير بالصناعة السورية إلى أن التوجه الحكومي بعد "التحرير" اعتمد على استيراد "الكلنكر" من الخارج، مما يعكس عدم الاستقرار الاقتصادي والاعتماد على السوق الخارجي. ومع تغير الظروف، تم طرح مطاحن المعامل المنتجة للاستثمار عبر عقود مع شركات عراقية وإماراتية وسعودية ومحلية.
وفقًا لتقديرات سليمان، تتطلب مرحلة إعادة الإعمار كميات ضخمة من الأسمنت، قد تصل إلى عشرة ملايين طن سنويًا عند انطلاقها. ومع ذلك، يمثل عدم استثمار الطاقات البشرية والفنية والخبرات السورية المتراكمة في هذا القطاع تحديًا كبيرًا.
يرى الخبير أحمد سليمان أن صناعة الأسمنت في سوريا تتمتع بعدة نقاط قوة، منها:
في المقابل، تواجه الصناعة نقاط ضعف تتمثل في:
أكد الخبير السوري على ضرورة تحديد موعد البدء بإنشاء المصانع الجديدة للأسمنت، في ظل وجود مذكرات تفاهم بهذا الشأن. وشدد على أهمية أن تعمل الحكومة السورية على:
تحدث الخبير والمقيّم العقاري محمد العلي لعنب بلدي عن تأثير ارتفاع أسعار الأسمنت ومواد البناء الأخرى على سوق العقارات في سوريا. واعتبر أن هذا الارتفاع قد لا ينعكس بشكل مباشر وفوري على أسعار العقارات المبنية سابقًا، والسبب الرئيس في ذلك هو أن أسعار العقارات في سوريا، خاصة في المدن الكبرى مثل دمشق وحلب، كانت مرتفعة أساسًا نتيجة للظروف الاقتصادية والطلب المتزايد على الوحدات السكنية.
أما بالنسبة للأبنية الجديدة التي ستقام مستقبلًا، فلم يظهر التأثير بعد بشكل واضح، ويعود ذلك إلى توقف أو تأجيل العديد من المشاريع السكنية المخطط لها بسبب الظروف الاقتصادية وعدم الاستقرار الأمني في بعض المناطق. وعندما تستأنف هذه المشاريع، فإن زيادة أسعار المواد الخام كالأسمنت ستؤدي حتمًا إلى ارتفاع تكلفة البناء، وبالتالي ستنعكس على أسعار الوحدات السكنية الجديدة.
ومع ذلك، أشار العلي إلى أن عوامل أخرى قد تؤثر في هذه الزيادة، مثل:
ويعاني قطاع البناء في سوريا من بطء في تنفيذ المشاريع، ولذلك، فإن الزيادة في أسعار الأبنية الحديثة لم تظهر بعد بشكل كامل، حيث ما زالت هذه المشاريع في مراحل التخطيط أو التأجيل، أو تواجه مشكلات في التمويل.
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد