درعا.. حوارنة قبل كل شيء: تعايش مسيحي إسلامي متجذر صمد أمام تحديات الحرب


هذا الخبر بعنوان "مسلمو ومسيحيو درعا..”حوارنة” قبل كل شيء" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٢ آذار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
عنب بلدي – وسيم العدوي
تُعد محافظة درعا، الواقعة في جنوبي سوريا ضمن إقليم حوران التاريخي، نموذجًا بارزًا للتنوع الديني والتعايش الاجتماعي والثقافي بين المسلمين والمسيحيين. لم يتشكل هذا التعايش في العصر الحديث فحسب، بل تمتد جذوره إلى القرون الأولى للمسيحية في المنطقة، مرورًا بالعهد الإسلامي المبكر وحتى مرحلة الحرب السورية وما بعدها. يمثل هذا النسيج الاجتماعي جزءًا لا يتجزأ من الهوية المحلية لـ"الحوارنة"، وهو الاسم الذي يطلقه المسلمون والمسيحيون على أنفسهم نسبةً لسهل حوران، حيث تشاركوا الأرض والعادات والعلاقات العشائرية، رغم التحولات السياسية والصراعات التي شهدتها سوريا خلال العقد الأخير.
عرفت منطقة حوران المسيحية منذ القرون الأولى للميلاد، ويرتبط ذلك بقربها من فلسطين، التي كانت مركزًا للأحداث الأولى في تاريخ المسيحية. تشير المصادر التاريخية، مثل كتاب "حوران أرض الغساسنة" لجريس الكايد، إلى أن مدينة بصرى الشام، عاصمة الولاية العربية الرومانية، أصبحت مركزًا دينيًا مهمًا، وظهرت فيها عدة أبرشيات وكراسي أسقفية.
يعود جزء من أصول المسيحيين العرب في حوران إلى قبائل الغساسنة، وهي قبائل عربية هاجرت من جنوب الجزيرة العربية إلى بلاد الشام في القرون الميلادية الأولى، واعتنقت المسيحية. أسس الغساسنة مملكة عربية مسيحية كانت حليفة للإمبراطورية البيزنطية، وامتدت مناطق نفوذهم في جنوبي سوريا وشمالي الأردن، واتخذوا من الجابية قرب مدينة نوى في درعا مركزًا سياسيًا لهم.
عندما وصل المسلمون إلى بلاد الشام في القرن السابع الميلادي، عقدوا صلحًا مع سكان المدن المسيحيين، ومن أوائل المدن التي فُتحت صلحًا كانت بصرى الشام، ومدينة درعا (أذرعات). استمر وجود المسيحيين في المنطقة خلال العهدين الأموي والعباسي، وشاركوا بفاعلية في الحياة الاقتصادية والاجتماعية، خاصة في الزراعة والتجارة. ومع مرور القرون، اندمج المسيحيون والمسلمون في نسيج اجتماعي واحد تقريبًا بمنطقة درعا، تشاركوا فيه اللهجة والعادات والعلاقات العشائرية، الأمر الذي خفف من حدة الانقسامات الدينية في المجتمع الحوراني.
حتى اندلاع الثورة في سوريا عام 2011، بقي الوجود المسيحي في محافظة درعا متجذرًا تاريخيًا، وهو يتمركز في القرى والبلدات، إضافة إلى وجود الكنائس التاريخية في المنطقة. كان لافتًا خلال سنوات الحرب وما بعدها أن المجتمع الحوراني ما زال يحافظ على كثير من تقاليد التعايش المشترك، خاصة في القرى المختلطة أو القريبة من المدن التاريخية مثل بصرى ونوى وإزرع.
في حديث إلى عنب بلدي، قال "المتقدم في الكهنة" الأب إيليا تفنكجي، من كنيسة "القديس جاورجيوس" بمدينة إزرع في درعا، إن "الإرث الذي أوصله لنا أجدادنا متمثلًا بالعلاقة الطيبة والقوية بين بعضنا، يجب أن نوصله لأبنائنا وأن نذكّرهم به في الجلسات العائلية والجلسات المشتركة بين الأهالي في البلدة أو المدينة الواحدة، حتى يبقى مستمرًا ومتوارَثًا من جيل إلى جيل".
ويؤكد الأب تفنكجي أن "ما جعل إزرع على هذا الوضع من التآخي والمحبة سواء ما قبل الثورة أو خلالها وحتى الآن، هو الإرث الذي تحدثت عنه، وجعل هناك تقاربًا وتفاهمًا بين الناس". وأضاف أن "هناك يوم مميز في السنة نصلي فيه هو يوم الجمعة، ونصف الحاضرين في الكنيسة يكونون من إخوتنا المسلمين، الذين يحضرون الصلاة المسيحية، وهذا الأمر متوارَث في إزرع على مر الأجيال، ولم يتأثر ذلك بالأحداث ولا بالحرب، وكان مستمرًا على هذا النهج".
الباحث المهتم بالقضايا التاريخية في منطقة حوران يوسف فارس الشحادة، قال لعنب بلدي، إن المسيحية متجذرة بين أهالي إزرع منذ القدم، وانتشرت في المنطقة مع بدايات انتشار المسيحية في العالم، والسيد المسيح أرسل اثنين من تلامذته إلى إزرع بالذات، وكان في حوران 35 أسقفية، ومنها قدم القديس بولس، ونقل الدين المسيحي إلى العالم.
وتتصف العلاقات بين المسلمين والمسيحيين في حوران بالمودة والتآخي منذ القدم، وكذلك العادات والتقاليد الاجتماعية واحدة، بحسب الباحث شحادة، وحتى لباس المرأة والرجل واحد، ومن ينظر إلى لباس المرأة الحورانية فهو يشبه لباس السيدة العذراء، والتقاليد الاجتماعية المشتركة بالنسبة للأفراح والأهازيج والأغاني واحدة، وفي التعزية عبارات التعزية واحدة، والناس يتشاركون في كل شيء، على حد قوله.
وبعد الأحداث في سوريا العقد الماضي، استمرت العلاقات على ما هي عليه بين المسلمين والمسيحيين، وللكنيسة دور كبير في تحقيق ذلك، فخلال الأحداث كانت الكنيسة تقدم المساعدات للمسلمين والمسيحيين على حد سواء، دون أي استثناءات، وتؤكد على المحبة والترابط. وختم بالتأكيد على أن التعايش ما زال قائمًا رغم الظروف الصعبة سواء السياسية أو الاقتصادية، ويظهر ذلك في الحياة اليومية من خلال المشاركات، مشيرًا إلى دور رجال الدين في حفظ السلم الأهلي، معربًا عن الأمل بأن يعم السلام ويعود الهدوء إلى سوريا وتظل الألفة والتلاحم بين المسلمين والمسيحيين.
يرى مدرس اللغة العربية من بلدة معربا في ريف درعا الشرقي عوض ضيف الله، أنه كمسيحي لم يشعر في يوم من الأيام بالغربة بين أبناء جيله وجيرانه وأهل بلدته المسلمين، مؤكدًا أن هذه الخصوصية في العلاقة كانت واضحة تمامًا وتحديدًا في العلاقة بين المسلمين والمسيحيين بدرعا.
وقال، "التعاون الاقتصادي والزراعي والروابط الاجتماعية والعشائرية في حوران لعبت دورًا مهمًا في حماية التعايش المسيحي الإسلامي، إذ غالبًا ما تُدار الخلافات بين الطرفين، إن حدثت، عبر الأعراف المحلية والوجهاء بدلًا من الذهاب وراء الانقسام الديني".
ويؤكد باحثون ضمن دراسة بعنوان "مسيحيو حوران" في الأرشيف التاريخي حول المسيحية بمنطقة بلاد الشام، أن المنطقة عُرفت بكونها مجتمعًا محافظًا لكنه قليل التوتر الديني والطائفي، إذ يرى السكان أنفسهم أولًا كـ"حوارنة" قبل التفكير في الجانب الديني.
شكلت الحرب تحديًا كبيرًا للنسيج الاجتماعي في محافظة درعا، مع تحوّلها إلى إحدى ساحات الصراع الرئيسة كونها كانت مهد الاحتجاجات الأولى ضد النظام السوري. أسهمت العلاقات الاجتماعية التقليدية في حوران بالحد من الصدامات الطائفية مقارنة بمناطق سورية أخرى.
هذه الظروف أدت، وفقًا لشهادات عدد من أهالي المحافظة لعنب بلدي، إلى هجرة عدد من العائلات المسيحية إلى دمشق أو الخارج، ثم بعد سقوط النظام السابق، بدأت مظاهر الحياة المدنية تعود تدريجيًا إلى المنطقة، بما في ذلك إعادة فتح الكنائس التي أُغلقت بشكل مؤقت خلال الأحداث التي جرت في محافظة درعا.
وقال مدرس اللغة العربية من بلدة معربا في ريف درعا الشرقي عوض ضيف الله، إن قصص التعايش بين المسلمين والمسيحيين حاضرة في جميع تفاصيل الحياة اليومية، رغم سنوات الحرب التي مرت على البلاد، وبقيت العلاقات الاجتماعية قائمة على المشاركة والتضامن، سواء في الأفراح أو الأتراح.
"أم جورج"، وهي ربة منزل من بلدة خبب التابعة لمنطقة الصنمين، قالت لعنب بلدي، إن العلاقات بين العائلات المسلمة والمسيحية بين بلدتها والبلدات المحيطة "لم تكن يومًا قائمة على التفرقة"، و"كنا نزور بعضنا في الأعياد. في عيد الميلاد يأتينا أهالي القرى المجاورة لتهنئة أصدقائهم في خبب، ونحن أيضًا نزورهم في الأعياد الإسلامية، وهذا الأمر خفّت وتيرته خلال سنوات الحرب الصعبة، ولكنه بقي مستمرًا عبر كل وسائل التواصل".
من جانبه، قال المهندس سامر الأحمد، وهو من سكان مدينة درعا، إن سنوات الحرب استطاعت أن تغير قليلًا في واقع الحياة بمدينة درعا، حيث هاجرت بعض العائلات المسيحية، ثم عاد جزء منها للاستقرار مجددًا في درعا، لا سيما بعد سقوط النظام السابق، مضيفًا، "لكنني رغم الظروف الأمنية والاقتصادية الصعبة، أبقيت على علاقاتي بأبناء جيلي وأصدقائي من المسيحيين، وما زلنا حتى اليوم عند حدوث أي مشكلة نساند بعضنا بعضًا".
حسان سمارة، يعمل مصورًا ويقيم في بلدة خربا بريف درعا الشرقي قرب بلدتي بصرى الشام ومعربا، يرى أن العلاقات التاريخية بين المسلمين والمسيحيين، وخاصة العلاقات القوية بين الأجداد في بداية القرن الـ19، انعكست بشدة وظهرت خلال سنوات الثورة والحرب في سوريا.
وقال حسان، إن أهالي البلدة فتحوا الكنيستين والمنازل خلال سنوات الثورة، وتحديدًا في نهاية العام 2013، لأهالي البلدات المجاورة الذين نزحوا إليها هربًا من قصف النظام السابق لمنازلهم بالبراميل المتفجرة والصواريخ، وكذلك لأهالي درعا الذين كانوا مقيمين في مدينة السويداء ونزحوا منها نتيجة الأحداث الأخيرة في تموز 2025، وكان هناك شبه إخلاء من المسيحيين لمنازلهم، حيث انتقلوا إلى منازل أخرى يملكونها بدمشق، لمصلحة المسلمين ليقيموا في منازلهم.
وأضاف حسان، "حتى اللحظة، ما زال عدد من الأهالي الحوارنة المهجرين يقيمون في بلدة خربا، لأن منازلهم مدمرة في بلداتهم"، واصفًا ذلك بأنه، "أروع نموذج مصغر للتعايش والتناغم المتكامل بين المسلمين وأهالي البلدة المسيحيين".
وختم بالتأكيد على أن "التعايش الإسلامي المسيحي ليس ظاهرة حديثة، بل هو امتداد لتاريخ طويل يعود إلى القرون الأولى للميلاد، عندما استقرت القبائل العربية المسيحية مثل الغساسنة في حوران، وأسهمت في نشر المسيحية وبناء الحضارة بالمنطقة".
سوريا محلي
سوريا محلي
سوريا محلي
سوريا محلي