دعوة للتفكير النقدي: تفكيك شعار 'كل مواطن جندي في المعركة' وتأثيره على الوعي الجمعي


هذا الخبر بعنوان "كل مواطن جندي في المعركة!" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٢ آذار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
دأبت خطابات الإعلام البعثي والقومي عمومًا، وكذلك الإعلام الإخواني، على ترويج مقولة مضللة على مدى ثلاثة أرباع القرن، مفادها أن لكل مواطن في هذه البلاد المناضلة دورًا حيويًا في المعركة. وقد افترض المثقفون والإعلاميون الممثلون لهذين التوجهين أن للمعركة صوتًا واحدًا، وأن المطلوب من كل متحدث في هذه البلاد هو خفض صوته، إذ لا يجوز لأي صوت، مهما كان عذبًا أو عاقلًا، أن يعلو فوق صوت المعركة.
أول مرة أدركت فيها مدى بؤس وخبث هذا الشعار كانت عند قراءتي لرواية الكاتب التركي الكبير عزيز نيسين، الموسومة بـ'أطفال آخر الزمن'. تحكي الرواية عن طفل يصف لصديقه، في رسالة، معلم الصف الذي قدم لهم درسًا في الوطنية. حدثهم المعلم عن أطفال شاركوا إخوانهم الجنود في الحرب، حيث كانوا يتسلقون الأشجار وينصتون جيدًا للأصوات القادمة من أماكن تجمع الأعداء، ثم يبلغون الجنود بما سمعوه، مؤكدًا أن هذا واجب كل طفل يستطيع مساعدة إخوانه الجنود الذين يذودون عن حياض الوطن. ولكن بعد أن أنهى المعلم سرده لهذه الأمثولة عن بطولات الأطفال، سأله أحد التلاميذ: لماذا يقوم الأطفال بأعمال التنصت لصالح الجيش؟ هل يفتقر الجيش لقوات متخصصة تقوم بهذا العمل الخطير؟ ولماذا يتخلى الأطفال عن مرحهم ولعبهم ودراستهم ليتحولوا إلى عناصر فاعلة في المعارك؟
دع عنك ما كتبه الأديب الكبير عزيز نيسين، فقد أوردته لأحدثك عن الصدمة التي يحدثها التفكير النقدي في المجتمعات التي تفكر بشكل جماعي أو تسير مع التيار دون توقف أو مراجعة. لنسأل مطلقي شعار 'صوت المعركة مع العدو': من هو العدو الذي يؤرق وجودكم؟ ولماذا تجندوننا جميعًا في سبيل محاربته؟ ولماذا تكتمون أصواتنا بذريعة الإصغاء الدائم لصوت المعركة؟
تُصاغ الشعارات في بلادنا بطريقة مخادعة وبراعة فائقة، ليصبح التأثر بها سريعًا، بينما يتطلب التخلص من تأثيرها زمنًا طويلًا وتفكيرًا عميقًا وجهدًا استثنائيًا. على سبيل المثال، استنفرت الغيرة على الوطن مشاعر الموسيقار المصري الكبير كمال الطويل، وهو يسمع أصوات الغارات تنهمر على بلاده في أحد أيام عام 1956. فأمسك البيانو وراح يؤلف نشيدًا حماسيًا، واتصل في هدأة من الليل بصديقه الشاعر صلاح جاهين وأسمعه المقطع. لم يكن جاهين أقل تأثرًا وانفعالًا من صديقه، فألف على الفور نشيد 'والله زمان يا سلاحي'. وتشاء المصادفات فيما بعد أن تعلن الحكومة عن مسابقة لاختيار نشيد وطني، فتقدم إليها كمال الطويل وفاز بالمرتبة الأولى، وأصبح هذا النشيد معتمدًا لدى الدولة المصرية.
هل فكر كمال الطويل وصلاح جاهين وملايين الناس الذين كانوا وما زالوا يرددون هذا النشيد ذي اللحن الجميل المؤثر بمعناه الحقيقي؟ وهل تساءل أحد عن سبب وقوع العدوان الإسرائيلي-البريطاني-الفرنسي على مصر وكيف توقف؟ هل قرأنا القصة بأبعادها المختلفة وعرفنا أن قرار عبد الناصر بتأميم القناة كان متسرعًا؟ وهل أدركنا أن مرحلة الخمسينيات شهدت صعود أمريكا كقوة عظمى في العالم، تسعى لتحل سيطرتها محل السيطرة الفرنسية-البريطانية الاستعمارية على مناطقنا؟ هل عرفوا أن الرئيس الأمريكي آيزنهاور هو الذي أرغم الدول الثلاث المعتدية على وقف العدوان؟ لا، فنحن لا نسأل.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة