الهوية البصرية لسوريا: هل تُصنع بالاحتفالات أم بمعالجة الأزمات الحقيقية؟


هذا الخبر بعنوان "هوية بصرية!" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٢ آذار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
بقلم: غزوان قرنفل
مر عام وأربعة أشهر على سقوط نظام الأسد، ورغم ذلك، لا تزال البلاد غارقة في أزماتها العميقة التي لم تجد، بعضها على الأقل، طريقها إلى معالجات جدية. ومع ذلك، يبدو أن السلطة الجديدة قد اختارت مسارًا مختلفًا في التعامل مع هذا الواقع، مرتكزة على صناعة المشهد الاحتفالي وإطلاق المشاريع الرمزية المرتبطة بما تسميه "الهوية البصرية" للدولة.
تتجسد هذه الهوية في شعارات وألوان وأناشيد وطنية وفعاليات كرنفالية، في محاولة لتقديم صورة مغايرة عن حقيقة الواقع المؤلم. قد لا تكون هذه السلطة مسؤولة عن نشأة هذه الأزمات، لكنها تتحمل بالقطع مسؤولية تجاهلها أو التعامل معها بخفة تصل إلى حد اللامبالاة.
ليست المشكلة بطبيعة الحال في مفهوم الهوية البصرية بحد ذاته، فكل الدول تسعى لبناء رموزها البصرية والثقافية التي تعبر عن ذاتها وتاريخها وتطلعاتها. لكن الإشكالية تبرز عندما تتحول هذه الرموز إلى ستار يهدف إلى إخفاء واقع مثقل بالأزمات، أو عندما تصبح وسيلة لإشغال المجتمع عن قضاياه الأساسية بدل أن تكون انعكاسًا لنجاح الدولة في معالجتها.
فالهوية البصرية الحقيقية لأي بلد لا تتشكل في غرف التصميم ولا في احتفالات إطلاق الشعارات، بل تتكون أولًا في حياة الناس اليومية، وفي قدرتهم على العمل وتلبية احتياجاتهم الأساسية، وفي شعورهم بالأمان الاقتصادي، وفي ثقتهم بأن القانون يحكم الجميع دون استثناء. أما عندما تكون حياة الناس مثقلة بالبطالة والجوع والفقر والغلاء الفاحش وانعدام الخدمات وغياب العدالة، فإن أي محاولة لتجميل الصورة العامة لن تكون أكثر من محاولة لوضع مساحيق تجميل على وجه منهك.
إن كنس الأوساخ ومواراتها تحت السجاد لا يعني أبدًا أن البيت أصبح نظيفًا، فهذا ليس سوى ترحيل للمشكلات وتأجيل لمواجهتها، بينما تتراكم الأوساخ أكثر فأكثر في المكان الذي تحاول السلطة إخفاءها فيه. وهذا بالضبط ما يحدث عندما يتم الاستعاضة عن معالجة الأزمات الحقيقية بإطلاق فعاليات احتفالية ومشاريع رمزية لا تلامس مواجع الناس الفعلية.
إن الهوية البصرية الواقعية لسوريا اليوم لا تكمن في شعار أو نشيد وطني جديد، بل تتجلى في طوابير الباحثين عن العمل، وفي البيوت التي تعاني من العتمة والبرد والفقر والحرمان والجوع، وفي الأسواق التي تقفز فيها الأسعار بلا ضابط ولا رقيب، وفي آلاف العاملين الذين يتعرضون للطرد من أعمالهم دون حماية قانونية حقيقية، وفي التعاقدات التي تفتقر إلى الشفافية وتثير الكثير من علامات الاستفهام، وفي التعيينات التي تتم بلا أي معايير، أو بمعايير بعيدة عن الكفاءة والسبل القانونية المقررة، مما ينتهك مبدأ تكافؤ الفرص الدستوري.
هذه هي الصورة الحقيقية التي يراها السوريون كل يوم، وهذه هي "الهوية البصرية" التي تفقأ أعينهم وتنعكس في حياتهم قبل أن تنعكس في أي شعار أو تصميم. فالشعارات والرموز لا تبني صورة محترمة للدولة، بل توفير الحماية والعدل والخدمات والكفاية المالية هي ما يفعل ذلك. والدولة القوية الناجحة لا تصرف جهدها ولا تقيس نجاحاتها بجماليات شعاراتها ولا احتفالياتها، بل تكرس وقتها وجهدها لتحسين حياة مواطنيها، وبمدى امتثال سلطاتها واحترامها للقانون، وبمستوى العدالة في توزيع الفرص والموارد.
قد تنجح الاحتفاليات والكرنفالات لبعض الوقت في خلق حالة من الضجيج الإعلامي، وقد توصل أيضًا بعض رسائلها للمجتمع، لكن المجتمعات لا تُخدع طويلًا بالمظاهر التي لا تستطيع أن تخفي إلى الأبد حقيقة الأزمات التي يعيشها الناس. فالجائع لا تشغله الألوان الجديدة للشعار الوطني، والعاطل عن العمل لا يعنيه كثيرًا شكل الهوية البصرية للدولة بقدر ما يعنيه أن يجد فرصة عمل كريمة تدفع عنه غائلة الجوع والعوز.
لهذا، فإن الطريق الحقيقي لبناء هوية بصرية جديدة لسوريا لا يبدأ من المنصات الاحتفالية، بل من ملفات الاقتصاد والعمل والأجور والعدالة الاجتماعية في الإفادة من الثروة الوطنية، ومن معالجة البطالة، والحد من الفقر، وضبط الأسعار، وإرساء قواعد شفافة للتعيينات والتعاقدات، وحماية حقوق العاملين من الطرد التعسفي، وإعادة الاعتبار لسيادة القانون.
عندها فقط يمكن أن تتشكل هوية بصرية حقيقية للدولة، هوية لا تقوم على الزينة الخارجية والتبرج، بل على واقع مختلف يلمسه الناس في حياتهم اليومية. أما الهروب إلى الأمام عبر الانشغال بالمظاهر والقرارات الهامشية، كتلك التي تحظر على الموظفات وضع المكياج أو حظر بيع المشروبات الروحية أو تتبع الناس لمعرفة إن كانوا صائمين أم لا، أو غير ذلك من التفاصيل التافهة، فلن يؤدي إلا إلى تعميق الفجوة بين السلطة والمجتمع. فالناس في نهاية المطاف لا يعبؤون بالشعارات ولم تعد ترهبهم استعراضات القوة، بل يريدون حياة كريمة مستحقة دفعوا ثمنها مقدمًا، وهذه قبل أي شيء آخر، هي الهوية البصرية الحقيقية التي يتعيّن على السلطة الاشتغال عليها.
سوريا محلي
سياسة
سوريا محلي
سوريا محلي